كان يريد أن يرى النظام في الفوضى
وأن يرى الجمال في النظام

أتخيل بهنس ساخطاً -من قبل سخطنا حين عرفنا أنه غادر هذه الحياة بهذه الوحشية- أتخيله حاملاً موته بدل حقيبة أدوات رسمه ومفكرته, مهدداً للموت؛ أنت الحقيقة التي أحملها ولن أنزلك من على ظهري إلى حين أكمل مهمتي.. حتى تصل رسالتي جيداً من بعدي, فكما تعلم ما على الرسول إلا البلاغ المبين, فلا تحاول الهروب إلا حين تجدني عاجزاً عن تحريرك أو إعطائك إشارة, حينها فقط، إقفز وداهمني.بهنس لم يكن متسولاً, كان حانقاً, مفضلاً أن يعيش على طريقته, دون إضطهاد أو تمنن من أحد, بالعاميةالدارجة “حردان” وماضٍ بطريقته التي ترضيه. كان يزهو بمقدرته الخارقة وهو متألم في ثيابه الرثة الممزقة.

قبح المعاناة الذي وترنا وأدخلنا في خضم الإفتراضات ،نحسه نحن، لكنه كان رجلاً صلباً جلداً, حتى إكتئابه الذي لا يتحمل مسئوليته وحده- وهو ما لا تدركه محدودية البصيرة عند كثيرين ممن ليسو بالعمق الوجداني الكافي- كان كفيلاً بأن يجعله ينتحر. لكنه لم يفعل وهنا تكمن فرادته في تقرير مصيره. بهنس لم يُهزم أو يستسلم ..حتى النهاية قاوم, لم يتركها لهم وينتحر, هذا العناد مدرسة, مدرسة في الأمل فنحن محكومون بالأمل كما قالها الراحل المقيم سعد الله ونوس. هذا الإبداع من نوع آخر. أنطون تشيخوف قال: أن الموت يداري نصف الفنان أما نصفه الآخر فيظل حياً في إبداعه الذي تركه.
وهذا هو الإبداع الأخير الذي تركه. لا مأوى لا طعام لا أمان وبالضرورة, لا سيرتونين, ولم ينتحر!

هذا ما ميزه عمن تلاقت مقاطع حياتهم مع حياته.

بدا لي وكأن لسان حاله الساخط المنهك يردد:
ينبئني شتاء هذا العام أن هيكلي مريض
وأن أنفاسي شوك
وأن كل خطوة في وسطها مغامرة
وقد أموت لا يعرفني أحد
أموت لا يبكي أحد
وقد يقال بين صحبي في مجامع المسامرة مجلسه كان هنا, وقد عبر فيمن عبر
يرحمه الله
ينبئني شتاء هذا العام أن ما ظننته شفاي كان سمي
وأن هذا الشعر حين هزني اسقطني

أحَبّ أن تأخذ الأشياء طابعاً فنياً. حتى في أكثر ما جعلني أشرق بالبكاء, ذلك الموقف الذي حكاه أحد الشباب التشكيليين, عن أن زوجة صاحب مطعم الخرطوم, حين حكت له, أنها يوماً من أيام محمد بهنس الأخيرة قدمت له الطعام, وسجد شاكراً أولاً,, بكيت وبكيت ثم تأملت الموقف بعد ذلك, وكنت أرى أن بهنس لم يتبتل لها ولم يرد الإستعطاف, بل فعلها هكذا وبدون تفكير. ولكني وجدت أنه أبدى حباً للخلود لا يملكه غير متمرد في معركة, كان يضع اللمسات الأخيرة في بناء تاريخه قبل سفره الأبدي, بروح راستا فاراي داخل متصوف, وبدراماتيكية مقصودة عبر التعبير الإيحائي كما لو كان في مسرح, يخرج من المطعم بكبرياء من لا يريد أن يحس بوضاعة وإقصاء محتقِر من الزوار, إذ هو من عزل نفسه وتسكع في الشوارع معتبراً ذلك أكرم من الذم والأدب كما يقولون في الحوارات العامية.
وهذا ذكرني أكثر ما ذكرني ثورة الماغوط, , ونحن نعلم أنه قد تنكر للماغوط من إشتهروا بمسرحياته وأفلامه ومنها؛ كأسك يا وطن
تشرد الماغوط عمداً وكتب في سأخون وطني:
هذا زمن الإتفاق على كل شيء
ولكنه ليس زماني
فأنا كالخيزران.. أنحني ولا أنكسر
سأدافع عن حقدي وغضبي ودموعي
بالأسنان والمخلب
سأجوع عن كل فقير
سأسجن عن كل ثائر
وأتسول عن كل مظلوم
وأهرب إلى الجبال عن كل مطارد
وأنام في الشوارع عن كل غريب

وكتب بهنس: (حبي لك يا بلدي, لا يخلو من بغض المحب لما عانى جراء حبه, إنه شأن لب الرغيف إذا وقع على سطح عسل. فكيف تراه يخلو من النتائف؟!).
هيييييييييييه! إحنا شعوب تستاهل حكامها,, هكذا رد الشاعر العظيم الراحل احمد فؤاد نجم على مهاترة في أحد البرامج الحوارية معه. وصدق.

إمتلك بهنس طاقة هائلة, وصمته في فترة تشرده حتى قبل الشتاء, صمت لأنه كان يخطو تجاه الموت, يساعدني في الفهم ما قاله سعد الله ونوس قبل أن يرحل بفترة وعلى فراش المرض: ( لا يستطيع الإنسان أن يحصي عدد الكلمات التي تفقد كثافتها وتغدو لغواً بالنسبة للمحكوم بالإعدام.. حقاً كم كلمة يحتاج المحكوم بالإعدام؟؟)

صمته درع حماية, لم يرث ذاته, ولكن أظنه توقع كل أنواع الرثاءات! الصادق منها والزائف وما خيل لصاحبه أنه صادق فمنذ أن تناقل مستخدمو المواقع الإجتماعية خبر وفاة الفنان الأديب محمد حسين بهنس, الخبر الفجيعة الذي ورث خزيا ببشاعة الطريقة التي مات بها, الفنان. والناس في حال ذهول, هالهم الخبر, في حين أني لا أدري لما العتب على من رثوه بحرقة وعلى المصدومين الذين تبادلوا صور لوحاته وصور فنية فوتوغرافية صورها وصور لمعرضه للرسم بالضوء الذي كان في جنوب فرنسا وأقواله التي ستكون ماثورة منذ لحظة الفجيعة, وأشعاره ومرثيته (مرثية ضوئية لحمزة علاء الدين) أو من ناحوا وعددوا محاسنه وجزالة طباعه وخفة روحه فيما يشبه الهستريا. جميع هؤلاء صدموا, وكثيرون أضحوا بين مصدقين ومنكرين. حتى من تفاخروا به وبأعماله, وقد ترك وسامة طبع وإبداع مدهش. ضربٌ من فش الغبينة فهذا أوان ثأر له, من قدم نقداً ذاتياً ومن ناح ومن كره الكون بقرفه كله. أما من تعودوا أن يهرعوا قبل أن يفوتهم الظهور في الصورة, وجاء يتباكى ويرمي بمرثياته المشحونة بالمحسنات البديعية, أينما إتفق له أن يلمع!. هؤلاء يشكون نقصاً ما أكثر من غيرهم, و موجودون في كل المجتمعات البشرية, وقد سماهم ميلان كونديرا بالإنسان الكيتش, واسمتهم الكاتبة الراحلة أروى صالح المبتسرون. ولكنهم كذلك لظرف ما هم بحاجة لهذه المتاجرة, وقد يكون ظرفاً مثيراً للشفقة أكثر من اللوم والتحامل. أما المنافقين, وقد خبر بعضنا عدم مرؤتهم ونخوتهم, وسكتنا لأنا نتردد في قول (البغلة في الإبريق) كعادتنا الجديدة!..فهم لا يستحقون التوقف عندهم. وطوال الوقت علمت أن مرضى الضمير يميناً يتجملون بالأديان, ومرضى الضمير يساراً يتجملون بالإنسانيات.
—————————–
وكنت قد أصابتني لحظة علمي بالوفاة, حالة غضب يحمل ثورة بداخلي.. تخبطت هنا وهناك لأجد من يثور معي.
مات ملقياً على الأرض من الجوع والبرد؟! مات مرمياً متجمد الأوصال يشكو مجاعة ومرضاً.
وقادني الإجترار الحزين, لأبيات لصلاح عبد الصبور من سنين وكأنه يخاطبنا الآن!:
مرضت أمي, قعدت, عجزت, ماتت هل ماتت جوعاً؟, لا, هذا تبسيط ساذج يتلذذ به الشعراء الحمقى والوعاظ الأوغاد
حتى يخففوا بمبالغة ممقوتة
وجه الصدق القاسي
أمي ما ماتت جوعاً, أمي عاشت جوعانة
ولذا مرضت صبحاً, عجزت ظهراً, ماتت قبل الليل.

لم أفكر وقتها هل هي صورة مسيئة لسودانيي مصر أم غيرهم,, لكن ظللت أتخيلها.. كم من الحنق والغضب غطى على عبراتي وقتها أكثر من الحزن نفسه!! كنت أعرف أنها مسئولية إنسانية ولها تبعات ومضاعفات مثلها مثل ما تحملناه من سنوات من مسئوليات على جرائم, حتى لو لم نكن نحن مرتكبيها.

داهمتني التساؤلات, أرهقتني الذاكرة والتأمل ليلتها حتى الصباح .. كيف يمكن أن يموت فنان أديب بهذه الطريقة وهو بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون مجهولاً؟ ! .. و عثرت على الفنان علاء سنهوري, الذي من ذاكرته استحضر جزئية من رائعة الفنان الراحل, روايته (راحيل) -والتي قال عنه النقاد حين صدرت إنها إرهاص بالطيب صالح الجديد- كانت الجزئية تقول: (أنا حزين لأن الناس يرجمونك بالحجارة وأنت واقف.. فإذا صمدت ولم يرف لك جفن, فإنهم لن يلبثوا يهرعون إليك ويقبلون الأرض أمام قدميك, مبتذلين كأنك إله أو نبي!يا سيدنا علمنا الصمود أمام الحجارة.
——————————
كانت الحجارة أثقل من صموده وحزنه!

أضاف لي سنهوري:أن بهنس كان أذكى من ألا يلتقط الزيف حوله مشيرا كذلك إلى أنه أنقى بكثير من أن يتوقف عنده. وكان سنهوري قد لحن قصيدة بهنس التي أعجبت الكثيرين من الشباب .. والتي يقول فيها:

بهديك الفوضى شجار طفلين في ساحة روضةبهديك الغربة..هتاف الموتى.. وصمت التربة
بهديك حزنك وستات الفول اثناء الخمشة
بعد إذنك
بهديك احباطي
حديث عابر في مركبة عامة بصوت واطي
بهديك الليل البين جبلين
فقدك لقى دين
بهديك جناح طيور الجنة إذا اتقصقص
ف النار مفتاح
بهديك خطوط الطول وباطن نقرا به الفاضل
الفاضل من عمرك,, من عمر الضيق المبسوط
بهديك طلة لبيوت الخيش وخيم تفتيش وأسواق أرخص ما فيها حليفة الله
بهديك ولا شي وأقطع وديان السهو مشي

بعدها أغلقت فيسبوك وكل متخصصات الإمتعاض وأجهشت بالبكاء ثم إتكأت أفكر فيما يحدث حولنا.. وتذكرت محمد بهنس وهو بلا مبالاة أو عنجهية وبتواضع عجيب مستمتع بالرسم على جدران كمبوني, مستعداً لمساعدة أحد الطلبة في إجتياز الإمتحان العملي لما درسه عن الإخراج الوثائقي ليخرج بفيلم وثائقي عن حياة بهنس. كانت الساحة مكتظة , وهناك من وقف متكبرا بكل إدعاء, فاته أن يلتقط بهاء تواضع العلماء من مبدع حقيقي الذي يرسم في بساطة على الجدار.
البعض شبهه بنجيب سرور في تفاصيل حياته, إذ أنه عاش في فرنسا خمس سنوات,, تزوج فيها من فرنسية له منها طفلاً وعاش هناك إلى مغادرته فرنسا.

ولكني في تأملي الحزين, والصورة التي مات فيها لا تفارق خيالي, تذكرت فان جوخ!.. معاناته.. وإيثاره وعبقريته. حتى أني شطحت وقلت ماذا لو كان بهنس أيضاً أصيب بداء الأذكياء, الإضطراب ثنائي القطب. ثم تنبهت لشطحاتي التي بات يدفعها أسى وتأمل كرب, وسخرت من المفارقة, ففان جوخ لم يجد لقمة في كثير أوقاته وبيعت بعده لوحاته بالملايين!

وكذلك تذكرت العبقري الراحل ابو ذكرى في حالة الإستدعاء تلك, وحضرتني أبيات ي. يفتوشينكو, ترجمها أبو ذكرى: في الحق يبقى بعده الكتاب والجسور
والحق تبقى درر الفنون والآلات
لغم يظل بعده الكثير والكثير
لكن شيئاً ما يضيع, دون عودة يضيع
——————————
وقد كان صادقاً هذا الشيء لا يعود.أبداً

ومن ضمن مفارقات البشر, تذكرت سخرية امل دنقل من نقود وصلته على فراش مرضه وكان قد إحتاج جزءا ضئيلاً منها حين كان يطلب ثمناً للغداء.
تذكرت أحد رموزنا المبدعين, شاعرنا عمر الطيب الدوش, تذكرت جوعه وعدم تلقيه ما يستحق من الدعم.
يتشابه ما جرى في حياة بهنس مع كم عباقرة وفنانين- وليس مماته, فمماته بين أدباء العالم, لم يسبق عاره علينا عار.

وبطبيعة الحال، ليلتها فكرت في ما قد يكون قد حدث مع محمد بهنس وهو عائد مثقلاً بخيبات وطعم مرير من فرنسا.. عاد والغصة تسد الحلق وعلى أكتافه هم قمئ.. رهافة الفنان الأصيل.. إستنكار الأذكياء.. ولا شيء منقذ سوى ملاذ, كحضن أمه عائشة, ولكنها ماتت من زمن, ولم يكن له خيار غير الإعتكاف فترة طويلة بغرفته! يال الحزن النبيل!. تجاوز غضباً وحنق المهمشين والإضراب إلى ضرب من الوفاء والشوق والأسى يحتاج قدراً وافراً من الأنسنة… يا إلهي! كم كانت له مقدرة هائلة على مهادنة الحياة حتى ونفسيته في الحضيض!
———————–

عصر اليوم التالي قبل وصول الجثمان بيوم, ذهبت إلى بيتهم في الحارة الخامسة.. بعد أن مررت بزقاق وجدت في الحوش نساء وحاجة مسنة في سرير منفرد (شلت معاها الفاتحة).. دخلت البرندة وجدت عدداً من نساء أم درمان من الجارات. وقفت سيدة طويلة “خدرة” سامية أخته, شلت الفاتحة, لم أكن أبك..صمت رهيب كان مخيماً.. نظرت إلي ملياً ثم إنحنت علي مجهشة بالبكاء, كانت بحوجة لأن تفرغ مكبوتاً لحين. ثم تلقفتني سمية التي تصغرها لتتحرر من بعض غصات في الحلق جلست بالقرب من فتاة عرفتني بها سامية بأنها “راحيل” بنت خالتهم. دخل شاب سألته أمه: “أنت من أخبرتنا بالخبر أم أخوك؟” وواصلت للجارات جابوه في قناة النيل الأزرق ,, أظن ساعتين بينعوا فيهو, قالوا زول مهم خلاص! وأختاه تصغيان إصغاء الصديق، المكذب لخبر وفاته!
ذكرنني هولاء النسوة بالنقلتية وستات الشاي الذين حضروا عزاء علي المك, الذي لم يعرفوا عنه شيئاً أكثر من أنه صديق لهم.

وحقيقة كانت الجارات تطرحن تساؤلات باستمرار,, اين بطاقة هويته؟, لم لم يفكر أحد بالإتصال بكم؟,, الخبر ده مؤكد؟
إلى أن قاطعتهن أخته التي -عرفتني سابقاً ب”ديل أصحابه”- بسؤالي: إنت زميلته بالمركز؟ قلت لا إلتقيته مرتين..مرة تونسنا على عجل ومرة لا.
ما اسمك؟
رانية
أيوه أيوه لقيتك في مذكراته القبل يسافر.قلت لها ( يمكن رانية تانية. لكنها أكدت أنها من إلتقاها صدفة وتحمل مواصفاتي. وإتصلت بعد التأبين هي وإبنتها ريم ليؤكدا زعمهما وطلبت مني رواية راحيل
لم أقرأ مذكراته هذه, كما لم أقرأ دواوين الشعر التي لم تطبع ولم تنشر وبحوزة أصدقاء وأهل. لكن، إن كنت أنا حقاً فهذا يعني أنه كان ممتنا لأي مقابلة طيبة صادفها.. وأنه بحسه المتفرد كان يكتشف من كان ودودا ومحترماً له دون رياء. خرجت ولم أحك شيئاً, كان الكلام ما يزال مرتطماً بي, المرة الوحيدة يا جماعة التي تحدثنا فيها كانت, عندما كان ُيدَّرس كورس للفيلم الوثائقي، يدرسه المخرج العراقي قاسم عبد, في هذا الكورس صنع ضمن التطبيق العملي, فيلماً وثائقياً عن محمد حسين بهنس, وكانت المرة الثانية التي قابلته دون أن أتحدث معه, فقد كان منهمكاً بمتعة-حسب ما بدا لنا- في الرسم على جدران كمبوني.
المهم, قررنا أنا ومحمد حمد-(كاتب وطالب بالكورس وقتها)- أن نحتسي شاياً, تطفلنا على بهنس, كان يحمل ألواحاً وبعض الأعمال الفنية التجارية “الإستهلاكية إن صح التعبير” التي هي لا شيء بالنسبة لفنه, شاورني محمد حمد في اللوحات ثم إختار بنفسه واحدة وإشتراها. قال له بهنس: أن وجه رانية مشروع مثالي للنحت, وجهها منحوت وبه مساحات (واشار له على وجهه موضحاً) ليست لديك مثلاً, ضحك محمد معه وأنا أخذت كلامه في إطاره الصحيح وفهمت وجهة النظر الفنية. ثم سألني إذا كنت هاف كاست فملامحي غريبة وإذا ما كانت أمي روسية مثلاً. غششته, قلت له “حبوبتي”. وصدّقني! صدق كما الأطفال. حكى عن زواجه من شابة فرنسية وتفاصيل أخرى بسيطة. ثم ودعناه فعلق على طريقتي في الترحاب ولا أذكر كثيراً-لا أركز عادة فيما يقوله الناس عني-البقية. لكني كشفت له أني لا علاقة لي بالروس وضحك نفس ضحكته التي تبدو في بعض الصور, ضحكة في الفم فقط ولا علاقة للعينين بها. ونحن مغادرين، علّق محمد حمد وقال لي: يا رانيا ده زول سمح. وافقته رأيه, فعلاً كان زول سمح و كان له حضور مختلف.
فقط.. هي المرة اليتيمة, ماذا فيها ليتذكرني بها؟!.. ليس سوى فنه وتفاعله مع الأمور وحوجته للطيبين حوله التي لم يفشيها للناس. ومؤكد بالمذكرة غرباء بمواقف عادية لهم أيضاً, ولكن في وعيه الفنان لم تبد عادية, ربما!.. يال الطيبة!!

للأستاذ عماد عبد الله بوست في منبر, سماه (بهنس..آخر طعم للبهار), فيه بعضاً من روح بهنس الطليقة وكما سماه أستاذ عماد, بهنس الصعلوك الفنان..المتصوف الدرويش.. الطفل المنفلت العاشق للحياة والناس. بإمكان من أحسوا أنهم قد فاتهم شيء وتمنوا أن يعرفوه، أن يطلعوا عليه عبر شبكة الإنترنت.
وإليكم رسالة أعجبتني كان قد أرسلها لتماضر شيخ الدين جبريل, ووجدتها في تعليق على صفحتها أضافه راني السماني:

كل سنة وإنت طيبة يا تماضر.أنا داير أوضة-وطن باب سنطها من شده الحنية يتكي في كتف أول الداخلين. الأوضة على حيطتها حمامة مبيضة, وعليها ايضاً لوحة الطفل الباكي, (إنتو بس ضِحكو, والباكي خلو علي أنا). هناك برضو في شماعة قديمة ختوا فيها إن شا الله نقطة. كمية من كراسي الخيزران بحالة جيدة, معلقة فوق حذا السقف على طريقة أمدرمان القديمة.الرض الرملة الهملة المرشوشة (ما في الشتا دا على أي حال).وفوق ورقة مكتوب عليها بخط طفولي (العلمو نورون والحياتو كفاحو).بعد داك إتشاكلو أكان تبيعوها بسعر التراب ولا أرخص. أنا داير طعم وطن في شاي كشري على صينية ألمونيوم.الأوضة التي هي أرشيف الروح السوداني هي متعة الوطن, هي أوضة جالوص لا شرقية ولا غربية.محمد بهنس 24-12-2004″
………….
هكذا كان معجوناً بالحياة التي نشتهيها مسكوناً بروح عايشناها طشاش, نحن هذا الجيل, ولها نوستالجيا المكان والروح والرائحة.
كذلك, حين ذاك التداعي, شاركنا المبدع الصادق الرضي, مقالاً جميلاً لبهنس, يتفرّج فيه القارئ بمتعة ومؤانسة على عرف فنى وبلى.. من عهد أغنية الحقيبة اﻷول. ويتفرج القارئ على حكيِّه بوصف ظريف وعلى إلتقاط بهنس بتحفّز للإستماع للقاء على الراديو بين الطيب صالح وود الرضي, بعد أن صوّر أتموسفير الليالي التي يجاور فيها أمه التي تنام بالراديو بصورة طريفة وحميمة. ونقل بمرح الأجزاء التي تلفت الفنانين في أي حوار, واشار لمصالحة الفيتوري بين ود الرضي واسماعيل حسن, وبطريقته الونّاسة المثرية لحديث عن جو إبداعي وتاريخ اجتماعي نحبه بعيوبه!
—————————–

في الدرب الضيق للحياة الجديدة
أنت الرحال الذي يتجاوز كل حد
فيستولي على المنيع
وفي كل خطوة يتردد الجواب
“أنا موجود, أنا موجود”
طاغور
………………..
أرسلت لي صديقة ,كان بهنس صديق أسرة لهم وإبن بيت-وجدها زوجها في كراسة من أيام الدراسة بها قصيدة لبهنس كتبها حين كانا في باص في طريقهما لمدني: سماها بهنس (مرابيع الزمن) وكتبها لجدّه:

مرابيع الزمان فزّاعة..طير مجهول عليهن ركا
وهاك يا جدي من جدي على ما فات
بنات أفكاري ردحن والخلا إتبكّا
طريتك يا خبير سوّاق على هيول الرمال..تتجاوز الفارس الرجيم والهلع هكّا
عقب لما الصروف حاطتني..لجأت ليك
لجأت بتحنان قديم..نحو الخيال جكّا
شعرت بكل شي ممكن
شعرت بكل شي عكّا
عطور مشكورة
حين ريحة الدباغة تتيه من الأيام
بشوشة تهب وتصطكا
ابن آدم كيف يسيب بهمو ب حيطة تتحكا؟
عجيب إنه العصا الحضرت زمان القوة.هسع ليها تتوكا!
أودّع..إضطراب لا أشكو
الغيوم شكاكة
والشجر المن الضليلة تتشكا
وقدر ما أمشي أتلفت زمانك حُر
إزاك أقدامي تتلكأ
طريت إنسان..بعيد الشان
رحل جواي وأدّى الباب وراو صكة
……………
رحلة محمد بهنس, أجدها مكتملة.. مشى فناً وتسكع فناً حتى توقف, قدم فنا معبرا,, هل كنا بحاجة لنهايته التراجيدية التي تلح على الآلام؟ هل كنا سننتبه للنهاية إلا بهذه المأساوية؟؟, كان رسولاً لشيء ما, بدا جلياً حين أنهى رسالته, أنهاها هكذا: (أيها الطائفون في مدار ما, إنتبهوا!) .. هكذا.. نعم.ولكن في مقابل كل حزن نبيل وكل ثورة حانق على تراجيديا الهوان, ينشز الجانب الذي تعودنا عليه من البلاستيكيين من أي جهة حكومية, موقف السفارة السودانية بالقاهرة, زاده إستهجاناً تصريح المستشار الإعلامي الذي جاء منكراً لأن يموت سوداني في القاهرة -حيث يخلصون في عملهم!- بهذه الطريقة! وألقى اللوم على الفقيد: حرام عليه إنه يتقطع من الناس ويحرمهم من ادبه.. إلخ المهزلة.

ومن المفارقات أن الرد عليه ورد على لسان صلاح جاهين رحمه الله قبل سنوات:
ولقيت في جيبي قلم
كأنه واد مقروض ومتجادع
قزعة لكين ملعون
مبري قوي ومسنون
تقولش ح يخطط نظام الكون؟
وأعمل به إيه وأنا ماشي في الشارع
أنا كمان قزعة وكمان ضايع
…………..
أما ما سمعناه عن واحد ممن أزاغوا أرواحنا منهم أنه قال عن وفاته مستنكراً الضجة التي أحدثها: من خرج من داره قلّ مقداره!.
لن أعلق على عدو الشعب هذا, ولن أزايد على ما لا يملكه, وأنى له أن يقدّر فناً أو كل ما هو راق ومؤنسن ,,فقد كان محمد بهنس فنان تشكيلي وشاعر واديب وعازف جيتار.. كان نموذج لفنان متكامل, يشردون السودانيين من بلدهم ويتهمونهم بالعقوق ويسخرون!
….
أعطني الناي وغنّ.. فالغنا جسم يسيل
وأنين الناي أبقى.. من مسوخ ونغول
——————————

قد يقول البعض أني لم أره سوى مرتين؟ فكيف أكتب؟!. هذا صحيح.. أكتب لكل من قرأت له أو قرأته على عجل, أكتب للجمال اينما كان وأنا لم أرْثِه بعد أنا فقط أتشارك ما إحتقن به الصدر معكم.

لكن قالها صلاح عبد الصبور قبلاً-ما بي أكثر الإستعارات منه؟!- في قصيدتيه, مرثية رجل عظيم ومرثية رجل تافه,حين سئل؛

وتسألونني:أكان صاحبي؟
هل صحبة تكون بين سيد عظيم وخادم محتال؟
مرثية صديق كان يضحك كثيرا
كان صديقي
حين يجئ الليل
حتى لا يتعطن كالخبر المبتل
يتحول خمرا
تتلامس ضحكته الأسيانة في ضحكته الفرحانة
طينا لماعا اسود
———–
وتسألونني: أكان صاحبي؟
وكيف صحبة تقوم بين راحلين؟
إذا لماذا حينما نعى الناعي إلى نعيه؟
بكيته وزارني حزني الغريب ليلتين
ثم رثيته
———
وإلى كل من إغتابوه وكالوا التهم يوماً, أقول لهم, حتى لو صدقتم, مع كم الإحباط هذا يوجد ألف عذر, لن تجدوه الآن لكي يسامحكم, لكن أتوقع أنه لم يكترث لهذه الأمور ولم يعطها من وقته, بطبيعة حاله. فهونوا عليكم, فقط تستطيعون الآن أن تشكروه على الدرس, وعلى فنه
قلت لصديقة, أنتم من المقربين, إذهبوا لوداعه, ولكني لا أستطيع.
ثم ماذا لو تخيلنا الجثمان يتكلم؟! ماذا تراه سيقول عن البعض!ا

شكراً أيها الرجل الطيب,, وكم نحن بؤساء يملؤنا الخجل منك والخزي بين العالمين على كل لحظة تأخرنا فيها عن قهر ما نحن نعايشه في السودان ويشهده العصر
……
وما كتبته منذ سنوات والله يشبهه, إنه هو وعدد قليل من أصحاب الروح الفريدة

》المرحوم فريد نادر كان يؤدي روتينياته و يقوم بواجباته على أتم وجه كما تعوّد من فترة ذات مدى! .. قبل يوم من عيده الأربعين إستلقى على السرير و فُقد. أُخِذت كتلته و ضُرِّحت و ضجت الدنيا مع تشييعه.. بعدها بيوم جاء ملك الختام ليريحه من حيوية الكَبَد كما كان مقرر لإنتهاء فترة صلاحية روحه, لكنه فوجئ بأن فريد إرتحل بالفعل للعالم الآخر و إضطر ملك الخواتيم هذا أن يراجع حساباته و دفاتره و الإستعانة بأحد ملائكة المراقبة و التقرير , فعرف منه أن ما قاساه فريد كان كفيلا بإستنزاف كثافة روحية و روحانية أكثر ليستمر مصارعاً لفرضه الإجباري! و دون الحاجة إلى توهيم الإنتصار بالتقاعد إختيارياً و للأبد! -خصوصا أن مادة روحه الخام فريدة و السوق شحيح بها و من أجود الخامات التي لا تحتمل إبتذالها و إهمالها- فنفذ رصيده الروحي مبكرا قبل موعده بخمسة عشر عاما!! و عاش ميتاً وسط الأحياء بفضل الطاقة التي كان يشحنه بها نجمه,و لأن النجوم لها عمر معين, مع خمود النجم التدريجي بدأت طاقته تخمد إلى أن أحس بوهن و رغبة في حجر كيانه و عزله من زخم الروتين الذي إستمرأه بآلية,فاستلقى على سريره فاقدا الحس بالإنهاك و عندما تلاشى النجم فرغت شحنته تاركة كتلة ليست بفريدة و لا نادرة و لا ذات جودة استثنائية!.
شيعت جنازة للكتلة العادية محفوفة بذاكرة عمّت وجداناً جمعياً و قررت أن تسكن في أدبيات مناخه متبوعة بلحنٍ موسيقاه من المجرات التي لا زالت مجهولة!,,سيرة حياة سريعة الذوبان و كذلك مهضومة و مغذية لا تُلاك ثم تلقى في خضم اللا اكتراثية!! دوّن ملك الختام هذا التقرير في ملاحظاته ؛ و أعلن فريد نادر متوفيا في سن الخامسة و العشرين رسمياً و فعليا ًو قرر العودة أدراجه و هو يفكّر طيلة المشوار بين الأرض و ذاك المكان خارج درب التبانة في مصير من يقتصدون في الحصة اليومية من الرصيد الروحي و كيف سيرهقه مط لحظاتهم و مجهولية موعد احتضارهم..

ﺍﻧﺎ ﻋﺎﺯﻣﻙ ﺷﺎﻱ..
ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺍﻟﻔﺎﺗﺢ ﻓﻲ ﺧﺎﻃﺮﻱ
ﻭﺩﺍﺧﻞ ﺟﻮﺍﻱ..
ﺗﺸﺮﺏ ﺟﺒﻨﺔ؟
ﻭﻣﺰﺍﺟﻚ ﻛﻴﻒ؟..
ﻋﺎﺯﻣﻙ ﻣﺰﺍﺝ
ﻳﺎﺯﻭﻝ ﻳﺎ ﻛﻴﻒ..
ﻋﺎﺯﻣﻙ ﻣﺸﻮﺍﺭ..
ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﻭﻟﻶﺧﺮ
ﺃﻧﺎ ﻋﻨﺪﻱ ﺗﺬﺍﻛﺮ..
ﻷﻭﻝ ﻣﺸﻬﺪ ﻣﻦ ﺑﺎﻛﺮ..
ﻭﻧﻤﺸﻲ ﺑﺮﺍﻧﺎ
ﻧﺤﻦ ﺍﻷﺗﻨﻴﻦ..
ﻭﺣﻨﺘﺄﺧﺮ
ﺯﻱ ﻣﻴﺔ ﻋﺎﻡ ﻭﺗﻼﺗﻪ ﺳﻨﻴﻦ..
ﻻ ﺗﺘﻌﺐ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻻ ﺣﺘﺨﺎﻑ..
ﻋﺎﺯﻣﻙ ﺯﻓﺎﻑ..
ﻭﺑﺪﻟﺔ ﻭﻃﺮﺣﺔ..
ﻋﺎﺯﻣﻙ ﻓﺮﺣﺔ..
ﻟﻤﻪ ﻭﺯﻏﺮﻭﺩﺓ ﻓﺎﻝ
ﻭﻧﺎﺱ ﻣﺒﺴﻮﻃﺔ..
ﻋﺎﺯﻣﺎﻙ ﺟﻮﻃﺔ..
ﻭ ﻋﺍﺯﻣﻙ ﺃﻭﻻﺩ..
ﻭﺑﺘﻴﻦ ﺣﻠﻮﺍﺕ..
ﺑﺸﺒﻬﻮﺍ ﺃﻣﻲ..
ﺑﺲ ﻣﺎ ﺑﻌﺮﻑ ﺍﺧﺘﺎﺭ ﺍﺳﻤﺎﺀ
ﺍﻧﺖ ﺗﺴﻤﻲ ..
ﺍﻧﺎ ﻋﺎﺯﻣﻙ ﺑﻴﺖ
ﺍﺩﺧﻞ ﺑﻴﻤﻴﻨﻚ ﻭ ﺳﻤﻲ..
ﻋﺎﺯﻣﻙ )ﻧﺤﻦ(
ﺍﻧﺖ ﻭﺃﻓﺮﺍﺣﻲ..
ﻭﺍﻟﺸﻮﻕ ﻭﺍﻟﺮﻳﺪ
ﻭﺿﺤﻚ ﺻﺒﺎﺣﻲ..
ﻣﺎ ﺭﺩﻳﺖ ﻟﻲ ؟
ﺷﺎﻳﻴﻚ ﺳﺎﺩﺓ؟..
ﻋﺎﺯﻣﻙ ﺣﻨﻴﻦ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻌﺎﺩﻩ..
ﺃﻧﺎ ﻣﺎ ﺑﺸﺒﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻳﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ
ﺍﻧﺎ ﺯﺍﻳﺪ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻋﻨﺪﻱ ﺯﻳﺎﺩﺓ…

(بهنس)

وفي ختام التأمل، أجد ما يلخص كل قولي..أبيات شاعرنا الفيتوري:

شحبت روحي، صارت شفقا
شعت غيما و سنا
كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه
أنا أتمرغ في شجني
أتوهج في بدني
غيري أعمى مهما أصغى لن يبصرني