نحتاج للخوف أحيانًا كي يقيد رغباتنا، ولربما نلتمس الأمان في الخوف؛ بل أننا احيانًا كثيرة نود لو عدنا لطفولتنا بمخاوفها الضئيلة، فأمام ضخامة أوهامنا المخيفة لم يبق طعم للأمان في قلوبنا، رغم الزحام حولك إلا أنك وحدك، ورغم إنتشار أفراد    الأمن في الشوارع إلا أن الأمان لا زال مفتقدًا، فكلما كثر عفن الخبز .. كثر عدد الجائعين، وكلما اشتدت رائحة الخوف، طوقنا الوطن بسياج من حديد يعزلنا حتى عن أنفسنا

رأيت خوف أمي علي من كل شئ، من الغد، ومن الشارع، ومن الناس، ومن نفسي؛ غير أن ذلك الأمر لم يعد يضايقني كما كان في السابق، بل يؤلمني حبها الزائد الذي يعذبها ويقيدني  !!

كان يمكن أن تدرك منذ 20 عاما أني أستطيع المضي إلي هدفي وحيدة . . وأني أجيد الاختيار يوم أن انتظرت أشقائي مثل كل يوم لإصطحابي إلي المدرسة، وأني تململت طويلاً من الانتظار . . انتظارهم وهم يتذكرون أهمية أشيائهم الصغيرة، وينسوني أنا ضمن الاشياء! !

تركت باب المنزل مفتوح ونظرت لها :

-  أحب مدرستي يا أمي، ولا أريد أن اتأخر عليها

وها أنا أرتدي ثيابي كاملةً، وحقيبتي معدة كما أردتي منذ أول يوم دراسي

ها أنا جهزت كل شئ بيدي الصغيرة، بعد أن أخبرتك منذ أيام بصبيانيه:

-          أستطيع أن ارتدي ملابسي بمفردي ,,

-          أستطيع أن أعد حقيبتي ,,

-          أستطيع ان أستذكر دروسي

لا زلت أذكر أنك كنت تردين على رغباتي الصغيرة الطفولية بابتسامة وحكمة تعطي لرغباتي ضوء أخضر مشيرة لها أن تمضي في سلام ..

تركتيني وابتسمتي ولا زال علي وجهي العبوس مقطبه الجبين حتي انصرفتي

وابتسمت أنا فرحة بتجربتي الفريدة:

‫‏المــدرســــــة

وهذي المرة أيضًا. . لم أنتظر وداعك وقبلتك، لكني ركضت كي ألحق التابور . . ركضت مسرعة للدنيا، ناسية كل شئ، فرحة بتجربتي الفريدة

(الذهاب إلي المدرسة نعم، لكن  تلك المرةبمفردي )

بدون توجيهات، أو حراسة؛ غير أني نسيت أن أرقب خوفك علي من كل شئ، والأهم:

من تمردي، ومن رغبتي في السيطرة علي حياتي بمفردي

ها أنا ألمس الأشياء بيدي، ولا أكتفي بمراقبتها من بعيد خلف ستائر خوفك السميكه التي حجبت عن روحي التجربة

وبقيت الرغبه فيهآ مشتعله علي موقد الانتظار، وكفرس جامح أنطلق بقوة: انطلقت لم يوقفني شئ !!

كنت الأولي دائمًا في كل شئ، وكأن شبح خوفك لازال يطاردني؛ فاسبقه كي لا يلحق بفضول طفلة شبقة للحياة

ورجعت إليك . . أخيرًا بعد يوم دراسي طويل

رجعت إلي منزلي،  لكني لم أعود .. لم أعد كما كنت:

رجعت اتباهي كيف أني حفظت الطريق الذي سرت فيه من أول مرة بزهو، وكأن ذلك الطريق لم يخطو عليه قبلي أحد

- إذن تستطيعين الذهاب بمفردك كل صباح الي المدرسه دون انتظار أحد ؟ ؟

- بثقة: أستطيع

لقد أثبتْ جدارتي بثقتها !

هكذا كان ردك، وهكذا كانت استجابتي، ويا لها من استجابة !

ومع الأيام، ازدادت الثقة في قدرتي على الاعتماد على ذاتي في أموري الصغيرة، وصارت من حقوقي المكتسبه أن أسير في الطريق بمفردي مع رفيقاتي

نعم، صارت لي رفيقات، وطريق أمشيه مرتين كل يوم

لا أنتظر أحد ! !

كما صارت لي خصوصية اسمها: ” حقيبتي المدرسية “

وبطفولية أحميها من فضول أخي، وأكتب لنفسي الخطابات وأنا غضبي . . أرسلها لذاتي، ولأبي المسافر . .

وأهدد مرة بترك المنزل

ومرات أخري بالانتحار .. ..

أول ما تعلمت بالقلم . . جعلت الكتابة لي ميثاقًا غليظًا لا أفارقه

وكثرت الخطابات التي لم تحمل يوما ما عنوانًا، كما كثر تذمري من كل شئ حولي، صرت أصرخ وأخاطب الأشياء بعنف موبخة لها بالقلم الذي لا يمكنك أن تخرسه أبدًا !!

ولكنهم قالوا لي عندما كبرت أن الأقلام ضعيفة، يمكن إخراسها ..

-          كيف؟؟

-          في الغالب، يشترونها !!

كان الطريق طويلاً، وفي العادة أنسى أشياء،  كما تسقط منّا أشياء نتعمدها، ونُضيّع بحسن ظن ما خبأته أمهاتنا فينا

والآن . . هل أعود أشكو خوفك عليا وحبك ؟ ؟

هل أخبرك بشئ؟

زال الفخر بكل تلك الانتصارات والمكاسب التي لم تحتاج معارك كبري بعد عام، وبقيت حاجتي إليكِ، وألمْ وأنت تقولين بفخر واعتزاز لاشقائي :

-          أنها علي قدر من الذكاء جعلها تعتمد علي نفسها في كل شئ . .

-          نعم، ولكنك نسيتِ أني على نفس القدر من الغباء عندما ضيعت بيدي اهتمامك !!

كان ذلك ردي دومًا خلف كل ابتسامة مقهورة  ترينها ردًا على قولك .. لكنه عادةً ما يكون لحريتنا ثمن ندفعه مقدمًا عن طيب خاطر

وأنت تراقبينني وتضحكين، وتخبري أبي ساخرة:

-          تجلس مثل الكبار؛ بل وتقلدنا وهي تحتسي فنجان الشاي !!

-          تعتقد أنها كبرت !

أبي، أبي الذي أحرقتْ يدي الصغيرة يومًا ما بفضول وأنا أمدها بشبق نحو سيجارته المشتعلة،

-          ما كنهها ؟؟

-          إنها نار تحرق ،،

كانت تلك استجابته على سذاجة صغيرته ذات الثلاثة أعوام، بلمعة في العيون فيها شئ غريب، لا تخفى على الناظر إليها، تكاد تنطق بالقول:

-          يموتون كمدًا من يحلمون !!

نعم يا أبي، فالصغار يجب ألا يفكرون كثيرًا، خاصة قبل النوم كي لا يزور نومهم المتقطع أحلام مزعجة

وكأنك تراني أمد يدي إلى ما لا نهاية نحو كل ضوء يشدني !!! وأنك ترى في العالم الآخر بوضوح أشد من كثيرين يحبون العمى ولو أبصروا، فطعم الأمن في هذا الوطن في أن تتغاضي وتتغابي، فلم يعد هناك بشيرًا يرد الأعمى بصيرًا

-          في أي جعبة يا نفسي كنت تخبئين تعجلك النضج المبكر ؟؟!!

-          ربما في جعبة تقليدك للكبار، واشتهائك للحياة

-         .. ربمآ !

-          حقًا لقد كنا : كما لم نعد 

-         كما أننا أصبحنا : ما لم نود !!