فى نهاية خمسينات القرن الماضى كان عمرى تسعه سنوات ، هبت القرية لتودع الشيخ النشار بعد وفاته ، ولم تمضى ساعه او يزيد الا وسمعنا ونحن جالسين فى بلكونة منزل والدى صيحات التكبير والتهليل
استيقظ والدى وارسل فى طلب شيخ الغفراء ليسأل عن الموضوع ، فافاد ان الشيخ النشار توفى فى الصباح ، وعندما ذهبوا لدفنه الى مثواه الاخير وقف النعش متسمرا فى مكان معين على اطراف القرية وبعيدا عن المدافن ، فكبر الناس وهللوا وقالوا ان الشيخ اختار هذه المكان ليكون قبرا له ومقام وضريح
وسرعان ماجاء صاحب الارض وامام اصرار الجماهير وحماسهم ليكون فى قريتهم شيخ مثل القرى المجاوره لم يجد بدا من الموافقة على دفنه فى هذا المكان
ضرب والدى كفا بكف وهو يقول متعجبا : آه يابلد ، الحرامى وتاجر المخدرات اصبح ولى من اولياء الله
وقص علينا والدى قصته بصفته عمدة البلده فقال : النشار كان من الاشقياء ، اشتغل حينا بالسرقة ، ثم بعدها بتجارة المخدرات وله ملف فى المباحث ( مسجل سرقات ومخدرات ) وتزوج من فتاه تصغره بعشرين عاما وانجب منها ، الا ان القرية كلها قالت ان الولد لايشبه ابيه ، وصار الغمز واللمز بان هذه الولد ليس من صلبة ، حتى جاء به الى والدى يستجير به ويرجو منه ان يكف السنه الناس فقال له : انا لا استطيع ان اكمم افواه الناس ، من يعايرك صراحه تعالى لى شاكيا منه وانا اقوم بتأديبه
وعندما ضيقت عليه الشرطة واصبح مطلوبا فى اى قضية سرقة فقد اصيب بحاله نفسية انعزل علن الناس وصعد الى سطخ بيته وبنى له غرفة صغيرة واعتزل فيها ، واطلق لحيته وزين صدرة بالمسابخ الكبيرة ، وشيئا فشيئا تردد فى القرية ان : ربنا هداه وعرف طريق ربنا … واطلقوا عليه ( الشيخ النشار) حتى جائت لحظة وفاته وحدث ماحدث
ومن يذهب الى قريتنا ( القضابة مركز بسيون محافظة الغربية ) الان سيجد له ضريح اصبح كبيرا من تبراعات اهل الخير ليشتروا لهم مقعدا فى الجنه او ليباهوا بوليهم القرى الاخرى ، ويقام له مولد سنوى كبير وتنذر من اجله النذور وتذبح من اجله الذبائح ، وتاتى القرى المجاورة الى مولده السنوى ، والامثلة غير هذا كثيرة ولكنى اقوال عما عايشته
فقد سبق لى وان كتبت ان عبقرية المصرى استعاضت عن آلهه القرى والاقاليم فى العهد الفرعونى الى القديسين والقديسات فى الفترة المسيحية ثم اولياء الله الصالحين وآل البيت فى الفترة الاسلامية
حتى ان المخزون الثقافى المصرى جعل من السيدة زينب واخيها الحسين وابن اخيهم على زين العابدين صورة من الاسطورة المصرية القديمة ( ايزيس واخيها وزوحها اوزيريس وابنهم حورس ) ، وكما جائت ايزيس ببعض اشلاء اخيها وزوحها اوزيريس من جبال بيبلوس بلبنان جائت زينب برأس اخيها الحسين من كربلاء
ورغم ان وجود كلا من رأس الحسين وجسدعلى زين العابدين فى مصر ليس له اى ظل من الحقيقة التاريخية الا ان المصرى جعل منهم تمثيلا حيا لاسطورته الموجوده لدية فى مخزونه الثقافى

وان كنت اضرب هذا المثال فى هذه المقالة لاصل الى دور الزمن المتطاول واثرة فى اضفاء هالات التقديس على الافراد مع مرور السنين ، الا انه من الواجب ان نتعرف على الاسباب التى جعلت الجموع الحاشدة تتسلط عليها فكرة واحدة فى وقت واحد فى حكاية الشيخ النشار

الهستيريا الجماعيه:
تعريفها علميا ( هى تفسير سايكولوجى لحالات جماعيه ترى اشياء غير حقيقية وتؤمن بها ، انها حالة من الهيستيريا الفردية العادية تتطور من الفرد لتنتشر وسط الجماعة كالعدوى لتصيب الجميع و بهذا تصبح مجموعة من المجتمع تعاني نفس الاعراض و لكن بدون سبب واضح لذلك )
تبدا الهيستيريا الجماعية غالبا من خلال فرد واحد يكون مصاب بحالة من الهيستيريا الفردية حيث تنتقل تصرفاته و عاداته و اعراضه لتشمل الاخرين و تتصاعد على نحو سريع اي كما الحامل لفيروس ما معدي ينقله للاخرين من خلال التواصل
وهذا تفسير لماحدث مع الشيخ النشار ، فرد واحد مصاب بحالة هستيرية تلح عليه فى اللاوعى ، يريد ان تكون لقريته ولى من اولياء الله الصالحين كما القرى الاخرى المجاورة ، هذه الفكرة فى المخزون الثقافى للمصريين منذ الفراعنه ( لكل قرية ولكل اقليم إله ) تنقل الفكرة الى بقية الجموع لان المخزون الثقافى متواجد فى الذاكرة الجمعيه لهم جميعا ، ليصبح الشيخ النشار ولى من اولياء الله الصالحين
ثم نعود الى الزمن المتطاول واثره فى التقديس ونتسائل :
-هل قرأنا فى كتب التاريخ الاسلامى الذى كتب عن فترة النبوبة من قال للنبى محمد ( سيدنا ) ؟
كانوا يقولون له : يا ابا القاسم او يارسول الله او يانبى الله
-هل قرأنا من كان يردد ( صلى الله عليه وسلم ) او ( عليه افضل الصلاة والتسليم ) عندما ياتى ذكرة فى اى مجلس
كانوا يقولن : صدق رسول الله
ولكن مع مرور الزمن بدا كل جيل يضع مزيدا من التقديس لينال مزيدا من البركة ، ولامانع من ذلك ، ولكن عندما يكتب كاتب ويقول النى محمد او يكتب محمد فقط تناله عقوبة التكفير ، حدث هذا مع كتاب الدكتور محمد حسين هيكل عندما وضع كتاب عن النبى بعنوان ( حياة محمد ) ، ورغم ان الكتاب كان دفاعا عن النبى الا انه اتهم بعدم توقير النبى لانه كتب ( محمد ) بدون اضفاء عبارات التقديس
والى الان لايستطيع اى كاتب ان يكتب ( محمد ) او ( النبى محمد ) دون عبارة ( صلى الله عليه وسليم ) اذ يعتبر فى نظر الجميع لايعترف بنوبته ومن الممكن ان تقام عليه قضية لعدم توقير النبى
ورأينا هذا واضحا ضمن حيثيات الحكم الذى صدر على اسلام بحيرى والذى تعرضنا له فى المقالة السابقة يقول القاضى (فضلا عن حديثه عن الذات الإلهية وسيدنا محمد دون إجلال وتعظيما لذات المولى عز وجل وسنة رسوله الكريم )
كنت استطيع ان اتفهم لو ان القاضى قال انه تحدث بطريقة غير لائقة او طريقة ساخرة عن الذات الالهية وسنه الرسول ، ولكنى لا اعلم عبارة ( دون اجلال وتعظيم ) الا ما اتناوله فى هذه المقالة من التقديس والتعظيم بسبب الزمن المتطاول .

واذا نزلنا الى الجيل التالى سنجد انه بداية من الخليفة ابو بكر حتى آخر الخلفاء الراشدين ، لا نجد مقرونا باسمهم لقب ( سيدنا ) أو ( رضى الله عنه وارضاه ) ، كل ماكان يقال لهم ( خليفة رسول الله ) او ( آميرالمؤمنين )
حتى وصلت كلمة سيدنا الى معاوية رغم كل مافعله فى انشقاق الدولة الاسلامية وانتقاله بالخلاقة الى الملك العضوض بتوريت ابنائه ، ولكن يتم تقديسه لانه كان ممن كتب الوحى ، فاذا كان من كتب الوحى مقدسا فكيف يكون الحال بمن قاله وبمن نقله ؟
حتى وصلت ايها السادة الى ابى هريرة ( ابو قطة ) راوى معظم الاحاديث عن النبى والذى ضربة عمر بن الخطاب على مؤخرته ناهيا له عن رواية الاحاديث عن النبى ، ولكنه فى عهد معاوية ذهب الى الامويين وكتب لهم ما ارادوا والذى كان مشهورا بالشراهه على موائد الكرام ، فكان مع الزمن المتطاول ( سيدنا ) ابو هريرة

لم يذكر لنا القرآن ان النبى محمد جاء بمعجزات ، بل انه نفى ذلك عنه ، لنرى الان العديد من الكتابات التى تتحدث عن معجزات النبى
انه ايضا الزمن المتطاول الذى انتقل من جيل الى جيل ليضاف اليه مزيدا من التقديس اما تقربا لهؤلاء الساده او توقيرا لهم

التاريخ ايها السادة له بابين ( باب الفضيلة ) وباب ( الرزيلة ) من دخل من الباب الاول سواء حاكم او رجل دين او شاعر او قائد عسكرى …… الخ ينال مع مرور الايام ومع توالى الاجيال هالات متزايدة من التقديس
ومن دخل من الباب الثانى تضاف اليه كل موبقات الرزيلة وعبارت التبخيس مع مرور الزمن
ولا استثنى فى هذا اصحاب الرزيلة الذين انتصروا وكتبوا تاريخهم واضيف اليه التقديس ، او من انهزم من اصحاب الفضيلة وتم تلويثه لصالح المنتصر واضيفت اليه العديد من موبقات التبخيس
ولدينا السيرة الشعبية ( ادهم الشرقاوى ) مثالا على ذلك ، فحقيقة ادهم الشرقاوى انه كان من الاشقياء وقطاع الطرق واللصوص ، او بالمعنى المصرى الدارح ( ابن ليل ) وكانت له عصابة من اشخاص عدة ، انضم اليه احد ابناء عائلتنا وتزوج من اخته فقام والدى بصفته عمدة القرية وكبير العائلة بطردة من القرية
كل شهرته جائت عندما هاجم فيلا المامور الانجليزى وسرق محتوياتها فاصبح بطل شعبى فى نظر العوام
ومن عدة سنوات جائنى احد احفاده والذى يحمل اسم عائلتنا يفخر بان جده لامه هو البطل ادهم الشرقاوى … فضحكت
وكم من القديسين واولياء الله الصالحين والابطال القوميين اضيفت عليهم هالات التقديس بفضل الزمن المتطاول
كنت اريد ان اكتب عن الزمن المتطاول واثرة فى التقديس فرأيتنى اكتب ايضا عن الهستيريا الجماعيه واثرها فى صناعه التقديس ، ثم المخزون الثقافى المصرى القديم واثرة ايضا فى صناعه اولياء الله الصالحين وتقديسهم
والى اللقاء فى مقال آخر