مساء الخير يا حميد

ذات ظهيرة في منتصف الثمانينيات، تسلل طفل الابتدائي إلى حجرة أخيه الأكبر .. كانت عيون الـ (Abba)، و(Boney M)، و(Dolly Dots) تراقب حركته الحذرة من داخل البوسترات الكبيرة على الحائط .. امتدت يده لتفتح خزانة شرائط الكاسيت كي يلتقط أحدها ـ كالعادة ـ  ويستمع لأغانيه بصوت واطي جداً تفادياً لغضب (الكبار)، ولدقائق قليلة قبل رجوع أخيه إلى البيت .. هذه المرة لم تخرج يده من الخزانة بـ (شبابيك)، أو(علموني عنيكي)، أو(بحبك لا)، وإنما وجد فيها شريط (رحيل) .. كانت أول مرة يرى صورتك، ومنعه الفضول من إعادة الشريط إلى مكانه، والتقاط واحد آخر من الشرائط الأخرى التي أحب أغنياتها .. لم يسمح الوقت لأن يستمع لأكثر من (يا بنية خشيتي بالي) لكنها كانت تكفي .. يتذكر الآن ابتسامته حينما فاجئته النشوة الغريبة التي أرسلتها إليه، وانت تكرر (للللللا لللا لالا) .. في هذا اليوم يا حميد بدأت حياة امتزجت فيها البيوت القديمة، والليالي، والشرفات، والحقول النائمة بجوار طرق السفر، والبحار، والأسطح العالية، والسماوات الممتدة أمام البصر، وألوان، وروائح، وبرودة الغروب، والشوارع الخالية، شاحبة الإضاءة .. بدأ السحر يا حميد، الذي ـ حتى الآن ـ يوفر للعذاب ما يحتاجه من اللعب بالحرير.

* * *

لم تفارقني طوال فترة التسعينيات الرغبة في التوصّل إلى ما يشبه صوتك .. كنت ـ ولازلت ـ أضحك بيني وبين نفسي كلما سمعتك، أو قرأتك وأنت تؤكد ـ وهو ما صار من أشهر الأقوال المأثورة عند أجيال متعاقبة ـ أنك لست مغنياً، ولا مطرباً وإنما مجرد مؤدٍ .. لازلت استمتع  بسخريتك ـ حتى لو لم تقصدها ـ من كل الذين لم يستطيعوا تحمّل ما ترتكبه .. تأكيداتك هذه التي لم تتعطل خلال عشرات السنوات كانت تعطيني في كل مرة فرصة للاستمتاع برؤية معاني، وتعريفات الطرب، والغناء وهي تتهاوى، ويتناثر غبارها محترقاً في أعمق جحيم متخيل تحت الأرض .. لماذا كنت في احتياج للتوصّل إلى ما يشبه صوتك؟ .. لأنني منذ اللحظة الأولى التي سمعتك فيها يا حميد، وأنا ازداد يقيناً بأن صوتك جعل كافة المغنيين ـ بالنسبة لي ـ يتكدسون في منطقة واحدة، بينما تعيش أنت في منطقة أخرى .. جميع المطربين بكل اختلافاتهم، وتنوعاتهم أصبحوا منذ (يابنية خشيتي بالي) ينتمون إلى عالم خاص، مقفل، تقف وحدك خارجه .. كان عجيباً، وبديهياً في الوقت ذاته أن اقتنع تماماً، وبشكل مباغت بأن صوتك لا يشبه سوى الهمس .. الفعل البسيط، العادي جداً، الذي بوسع أي شخص تأديته حتى وهو صامت أحياناً! .. هل يمكن تصديق أن هذا أساس تميزك، وتفرّدك بالنسبة لي؟! .. نعم يا حميد؛ فصوتك عندي هو إضاءة لكل الاحتمالات الممكنة للخفوت، ليس باعتباره مساراً ينتهي بك إلى مكان وسط أصحاب الحناجر الاستثنائية، وإنما حقق صوتك ما هو أكثر إعجازاً في تصوري .. أنك جعلت من (الدندنة) كأنها تمرير مختلس للأسرار .. تشكيلات متجاوزة، مدهشة التعدد من الارتجال للـ (الهمس) ـ وهو ما ينطبق بدقة على موسيقاك ـ جعلت منها تنغيماً غير متعالٍ، بل قادم من شعور كل كائن لا يمتلك (صوتاً جميلاً) بالمعايير التقليدية، ولكنه يريد أن يغني، أو يحاول أن يغني .. غناؤك يا حميد لا ينوب عن إحساس، أو فكر من يسمعك، ولكنه ينوب عن خفوت صوته حرفياً، لأن الكل قادر على الهمس، والكل لديه أسرار يريد تمريرها لآخرين، وفي الهمس كل الأصوات تصبح صوتاً واحداً، وأنت هذا الصوت الواحد يا حميد ..  حتى (الكحة) J.. الفرق الخارق بينك، وبين أي (مطرب) أنك لم تعرّف البشر بالمتعة التي لا يقوون على انتاجها، وإنما عرّفتهم بالمتعة التي في استطاعتهم أن يمنحوها لأنفسهم دون وصاية حتى من (الفن) ذاته .. الهمس الذي يعلن بحدة أكثر عن ذاته كلما سعى للارتفاع بنبرته .. هذا شديد الوضوح في صوتك يا حميد.

بعد ثلاثين سنة، وحينما أحاول ـ وهذا صعب للغاية ـ أن أضع أوصافاً لموسيقاك، ربما أول ما يخطر في بالي أنك الموسيقي الوحيد الذي يبدو أنه جمع كل الألحان التي أعشقها من التاريخ الشرقي، والغربي، ثم كوّن منها ذاكرة أشبه بقبعة الحاوي التي يخرج منها كل ما هو غير متوقع .. لكن ما عندك يا حميد يتخطى ما في قبعة الحاوي ..  أنت تأتي بما يلمس أفق من الإبهار لم يكن مرئياً، بل كان ـ ياللعجب ـ واضحاً، وملموساً دون انتباه .. هذا هو الجوهر الذي يمكن أن أكتب عنه إلى ما لا نهاية .. أن موسيقاك يا حميد تنجز ما يؤديه صوتك؛ فإذا كان صوتك (الدندنة الخافتة للهمس التي تنوب عن صوت من يسمعها)، فإن موسيقاك هي الافتراض المتجسد لنغمات كل شخص توحد مع تلك الموسيقى ، وأراد، أو حاول أن يبتكر موسيقاه الشخصية وفقاً لما يعرفه من تجارب، وخبرات سابقة .. كل شخص متعلّق بأنغامك يحلم بموسيقى متخلصة مما قد يبدو له تعقيداً تراثياً لا يمكن خلقه إلا بأيدي اصحابه، ويستحيل أن يتصدى له (العاديون) .. موسيقاك يا حميد هي موسيقى كل مؤمن بك لو نجح في تحرير هواجسه بواسطة جيتار مثلاً.

* * *

أنت لا تعرف يا حميد…

هناك من لا يزال يطفيء ضوء غرفته كل ليلة، ويتمدد في سريره ثم يضع سماعتين في أذنيه، ويغمض عينيه، ويسمع (باجيلك من ورا الأحزان)، و(ضلاية شجرتنا)، و(مشينا)، و(مرّات)، و(ليلي طويل)، و(جيت الدنيا)، و(جيت يا شتا)، و(بروي)، و(بعد ما كان الحب)، و(عاتبيني)، و(عودة)، و(وين أيامك وين)، و(رسالة)، و(ياريتني نسمة صبا)، و(يا غالي) .. كل ليلة يا حميد يسمع هذه الأغنيات، ويبكي .. أقسم لك أنه يبكي، ولكنه ليس ذلك النوع من البكاء الذي تنهمر فيه الدموع للخارج .. أنت بالتأكيد تفهمني يا حميد .. أنا لم أعد كما كنت منذ ثلاثين سنة، ولا منذ عشرين، أو عشر سنوات، ولا حتى منذ أمس .. كل ما تدفعني أغنياتك لاستدعائه كل ليلة أصبح ميتاً .. حتى الغيوم الشتوية في العصر، والمساء التي كانت تعوم فوق الحجرات، والمقاهي، وصالات الفنادق، ولم يعد لدي سوى صورها .. حتى الغيوم الشتوية أصبحت ميتة يا حميد.

تحياتي