ذات مساء بعيد كان وحده في البيت، يؤدي بوجهه في المرآة حركاته الغريبة، ويغني ما يخطر على ذهنه من أغاني معروفة، مستبدلاً كلماتها الأصلية بألفاظ، وعبارات تتخطى الحدود المتخيلة للبذاءة .. لم تكن تلك الممارسة تنتمي لقائمة هواياته التي يحتاج للقيام بها من حين لآخر، فهو لم يتعوّد مثلاً على الإسراع بالرجوع إلى منزله، أو النهوض من أمام شاشة الكومبيوتر فجأة، أو استئذان ضيوفه كي يجري نحو المرآة، ويؤدي حركات وجهه، ويرتجل كلمات بديلة للأغاني .. كان يفعل هذا فقط حينما يكون بمفرده، وإذا مر بالصدفة أمام مرآة .. لابد أنه تصوّر أكثر من مرة أن يراه، أو يسمعه شخص ما، ولابد أيضاً ـ وهو لم يحدث على الإطلاق ـ أن يوجّه إليه هذا السؤال المنطقي: لماذا تفعل ذلك؟ .. في كل مرة تتمسّك دماغه بإجابة بديهية ثابتة، وهي أنه فشل بكفاءة خارقة على مدار عمره في أن يكون صديقاً لكل من عرفهم، وألا يسمح لأحد منهم أن يكون صديقاً لسواه .. المغامرة التي بدأها منذ اللحظة الأولى لوجوده داخل المدرسة الابتدائية، وانتهت تقريباً بعد إصداره لرواية قصد من ضمن أهدافها أن يقطع علاقته بكل من تبقى من اصدقائه .. بالطبع لديه فائض من المشاهد الداعمة لهذه الإجابة، يرى نفسه منذ الطفولة يتنقل بينها ليس للحصول على الحب، والتقدير كما يتمنى الشخص العادي، بل سعياً لاحتكارهما، وحرمان كل اصحابه منهما .. كان دائماً يريد أن يبقى وجهه هو الوحيد المتفرّد بالإضاءة، وأن تظل بقية الوجوه مطفأة، يعذبها الظلام، واحتراق العيون كلما نظرت إليه .. هل تتذكر حينما كانت أختك تلعب (السلم والثعبان) مع أولاد عمك، ثم أمسكت باللوحة الكارتونية، وطوحتها بعيداً مع الزهر، والقشاطين لتهدم الدور .. كان أسرع واحد في العالم يخاصم اصدقائه .. لم يكن يغضب فحسب من تصرّف جارح، أو كلام ساخر، أو ضحكة مهينة، وإنما كان هناك أيضاً ما هو أقوى .. الأشباح النارية الطائشة التي تتراقص في دمائه، وتدفعه كوابيسها طوال الوقت لمحاولة تثبيت أصدقائه عند قدميه .. أن يحافظ على الوضعية المثالية لهم كحرّاس أوفياء، ينبغي أن يوفروا له غذاءه اليومي من الاحترام، والود، والطيبة الخاضعة .. ألا تكون هناك أدنى صلة بين أي تابع مخلص، وبقية زملائه من الأتباع الآخرين الذين يتولون حماية كرامته .. ظل أسرع واحد في العالم يصالح أصدقائه بعد خصامهم، ناجحاً في تثبيت جسده عند أقدامهم .. حافظ على وضعيته المثالية كحارس وفي يوفر لهم الغذاء اليومي من الاحترام، والود، والطيبة الخاضعة .. هكذا وصلت به الدنيا إلى أن يؤدي بوجهه في المرآة حركات غريبة، ويغني ما يخطر على ذهنه من أغاني معروفة، مستبدلاً كلماتها الأصلية بألفاظ، وعبارات تتخطى الحدود المتخيلة للبذاءة

 لكنه في ذلك المساء البعيد تجمّدت ملامحه على نحو مباغت، وصمتت أغنيته في منتصفها، وشعر أن هذه اللذة السرية لابد أن تكون حياته كلها .. ينبغي أن يتعمّد تحويلها إلى فعل تلقائي، مهيمن، ومتواصل .. قرر أن آخر الحلول التي يمكنه اختبارها هو أن يقود نفسه نحو الجنون التقليدي بحيث يصبح واحداً من هؤلاء الذين يُضحكون الناس، أو يثيرون الشفقة، وفي الغالب لا يمكن تحمّل العيش برفقتهم .. كان ذهنه يتمعن في ذلك الاحتمال الذي يفترض اختفاء الذاكرة، وبالتالي تنقية الجسد من الألم، والرعب، وتحويل الموت إلى مجرد خطوة داخل المرح دون وعي بأنها الأخيرة .. كل الوجوه بلا استثناء أصبحت منذ ذلك الحين مرايا، يؤدي حركاته الغريبة فيها، ويغني أمامها ما يخطر على ذهنه من أغاني معروفة، مستبدلاً كلماتها الأصلية بألفاظ، وعبارات تتخطى الحدود المتخيلة للبذاءة

مرت أيام، وشهور، وسنوات دون أن يصل إلى مرحلة الجنون التقليدي .. لم يقف الفشل عند ذلك الحد، بل أن كافة البشر الذين اعتمد عليهم في إثبات جنونه بعد تحويل حركات وجهه، وأغانيه إلى أفعال تلقائية، مهيمنة، ومتواصلة لم يضحكوا، ولم يشعروا بالشفقة، والأفظع أن تحمّلهم للعيش برفقته لم يصيبه الضعف .. بقيت ذاكرته حادة الوضوح ، وظل جسده يواصل الزحف تحت ثقل الألم، والرعب، وبالتأكيد ازداد رسوخ الوعي بأن الموت خطوة ساطعة خارج المرح .. بالأمس، وقبل أن يغمض عينيه للنوم قرأ أن (روبن وليامز) شنق نفسه بحزام البنطلون .. أزال صورته من خلفية اللاب، وقرر أن يعيد الحركات الوجه، والأغاني المرتجلة إلى الخفاء.