إلى د. إمام عبد الفتاح إمام

في أحد الأيام التي أراد (سرن كيركجور) الخروج فيها من البيت، وكالعادة أخذه أبوه عوضاً عن ذلك إلى الغرفة، وأمسك بيده الصغيرة ليسيرا داخلها جيئة، وذهاباً كأنهما في الشارع، وبينما كانا يحييان المارة، ويتجنبان العربات، ويستمعان إلى الضوضاء المتخيلة؛ أوقف (كيركجور) أباه، وقال له:

(أنظر يا أبي إلى الجالسين على طاولة هذا المقهى .. إنني أعرفهم جيداً .. سيعود كل واحد منهم إلى منزله الليلة بحصيلة مشبعة من الصور التي تعطي للقاءهم الأمان ..

تراهم في هذه اللحظة يتكلمون، ويضحكون لكنني أؤكد لك أنهم يفكرون أيضاً في اللذة التي تنتظرهم عند تحويل الأمان إلى نوع خبيث من الخلود بعد نشر الصور على (الفيس بوك) .. لا أصدق يا أبي أن الهلاوس القديمة لازالت تضيء تحت جلودهم، وتحرضهم على تلك الكوميديا الرديئة .. اختر أي واحد من هؤلاء، وسأحدد لك بدقة أين تقع العاهة المستديمة التي زرعها صديق ما في روحه .. بعض من تلك الجروح غير القابلة للمحو اقتفيت آثارها، والبعض الآخر أرشدني إليها أصحابها بكرمٍ أعمى، وهناك ما عثرت عليه صدفة كهدايا ثمينة يستحقها برغوث مثلي يتغذّى على الشماتة ..

لماذا يستمرون في إعادة المشهد، ثم توثيقه كأنه سياج ناعم من التوقعات الصائبة رغم الاصبع الأوسط المنتصب في كل خلفية، الذي لا أحد يعرف صاحبه، ولكن يمكن رؤيته بوضوح؟ّ! .. لماذا لا يفترقون للأبد، ويلزم كل منهم بيته، على الأقل حتى يحرمونني من مطاردة دموعهم، وتخزينها ثم انتهاز الفرص لوضعها في مؤخراتهم وهم نائمون؟! .. قل لهم يا أبي أن يتوقفوا عن ادعاء السحر)

انتبه (كيركيجور) فجأة إلى أن يده الصغيرة صارت معلقة في الفراغ .. كان أبوه قد اختفى من الحجرة فخرج يبحث عنه في كل الأماكن، ولكنه لم يجده حتى الآن