الفلسفة الوجودية تيار فلسفي ظهر أواخر القرن التاسع عشر، وإنتشرت أُسسه وأثارت كِتابات مُنَّظريه جدلاً واسعاً في القرن العشرين، فبرغم الإختلافات العقائدية والأيدلوجية العميقة بين كيركغارد وسارتر وكامو إلاَّ أنها ركزت على الإنسان ودراسة أفعاله لأنها تُشكل الأساس الرئيسي لهذا الوجود، فالحياة مجرد فيلم ضخم أنت وحدك من تُمثل دورك وتكتب سيناريو شخصيتك وتُخرج مشاهد نجاحك وفشلك وموتك أيضاً.

فعلى العكس تماماً لمقولة “أننا نولد من بطون أمهاتنا أحراراً” فلو حللنا تلك الجملة تحليلاً موضوعياً فلن نجد فعلياً إنساناً يولد حراً، فلابد له أن يخضع لعدة عوامل بداية من الأسرة التي تضع له الأطر والقواعد العامة وتٌقَوْلبُه بحيث يصبح جزءً من المجتمع، مٌتشرباً لعاداته وتقاليده المتوارثة منذ القدم، مؤمنا بقيمه المطلقة متماشياً بذلك مع التيار العام. فالحرية في حد ذاتها شيء يتم إكتسابه، وراجعة لتطور وعي الفرد عبر التجارب التي يمر بها وأيضا من خلال القاعدة السقراطية التي تقول “اعرف نفسك بنفسك”.

إن الحرية في الوجودية لا تعرف الحدود ولا حتى الخطوط الحمراء لممارستها، بل أنها تضع الإنسان في مواجهة ذاته رافضةً إعتباره شيئاً مادياً تتحكم فيه مسارات وقوانين موضوعة له مُسبقاً، فطالما يمتلك الإنسان الوعي فإنه بالضرورة سيدرك الحرية، فالجميع هنا مسئولون عمَّا هم عليه الآن وعمَّا آلت إليه إختياراتهم، وما سيئول إليه مستقبل هذا العالم بعد خمسون عاماً وأكثر.

الإختيار دائماً ما يرافق الحرية ولا ينفصل عنه مطلقاً، فالإنسان عندما يختار لنفسه فإنه بذلك يختار لكل الناس، وعندما يتخذ وحده القرار فإنه يتخذه للجميع، وبذلك تصبح المسئولية التي نحملها على عاتقنا أكبر بكثير من مجرد بضعة إختيارات تحدد ما سنكون عليه، لكنها أيضاً ستحدد ما ستكون عليه صورة الإنسان كما يجب أن تكون، ولذلك نعيش جميعاً في حالة مستمرة من القلق النابع من المسئولية الملقاة على عاتق كل فرد في أنه مشروع لنفسه يختار للإنسانية كلها.

فالوعي، الإختيار والمسئولية مفاهيم لا تفترق أحداهما عن الأخرى عندما نتحدث عن الحرية، فالفرد يكتشف نفسه وذاته ثم يمارس حُريته عن طريق الإختيار، إختياره لعاداته، تقاليده، طريقة حياته وأخلاقه، لك أن تتخيل أن كل شخص قادر على تشكيل لوحة فنية رائعة تخصه وحده تختلف من فرد لآخر، على عكس هؤلاء الذين تم نحت شخصياتها بواسطة آخرين فأخرجت لنا لوحة واحدة تقليدية باهتة الألوان تنقصها لمساتهم. ثم المسئولية التي تجعله يخلق العالم المثالي كما يراه.

الإنسان عبارة عن “أنت” فمشروعك الوحيد الذي تعمل على صناعته هو مستقبلك بدون أي مسميات تحتوي على كلمات من نوعية (القدر، ولا الحتمية، أو حتى قوى ميتافيزيقية) لتتدخل في إختياراتك، فالمسئولية تقع على عاتقك وحدك تتحمل نتائج إختياراتك أيضا وحدك، فشكل لوحتك الفنية الخاصة بك وإنطلق.