قالت له إن الصبّارة في بلكونتها التي يملأها التراب تحتاج اصيصاً أكبر ينقذها؛ فالاصيص الصغير صار أضيق مما يلزمها لتستمر في النمو .. لم تنس أن تخبره أيضاً بأنها تشعر تجاه الصبّارة بالشفقة؛ فبالرغم من أن جذورها حفرت منذ وقت طويل شروخاً بائسة داخل جدار الاصيص، واخترقته لتستنجد حضناً أوسع من الطين إلا أنها لم تمت حتى الآن: (الصبّارة تريد أن تواصل الحياة) 

شعر بغرابة خبيثة مما ذكرته عن اختراق الجذور لجدار الاصيص؛ إذ بدا له أن أي جذور مهما كانت قوتها لا يمكنها أن تثقب اصيصاً بصرف النظر عن مدى ضعفه .. كان عليه أن يرى بعينيه كي يضع حداً للشك في صدق كلامها .. خرج إلى البلكونة فوجد الاصيص قد تحوّل إلى ثلاث قطع متباعدة، تحاول الابقاء على التصاقها بقاعدته الدائرية الصغيرة .. كان هناك قرص طيني متحجر يبدو أنه حُرم الماء منذ زمن بعيد يقبع بين القطع الثلاث ..

كانت الصبّارة تخرج من جوفه منتصبة بتجهم طفل, بينما جذورها تظهر من الشقوق الواسعة أكثر امتداداً بالفعل مما يمكن لذلك القدر البسيط من الطين استيعابه .. مستقبل الاصيص المكسور تجلى أمامه في تلك اللحظة؛ فالقطع الثلاث الواهنة على وشك الانفصال عن قاعدته الدائرية الصغيرة، وربما سيؤدي ارتماءها على الأرض إلى تهشمها .. المسافة ليست عالية، والأنقاض الضئيلة لذلك لن تتناثر أبعد من إمكانية لمّها، وتجميعها لتحاوط القرص الطيني المتحجر حتى لو لم يكن في ذلك أي فائدة .. فكر في أنها محقة

هي عجوز تعيش وحيدة مع صور موتاها، وذكرياتها السوداء، ولو أن من طلبت منه البحث عن اصيص كبير كان كاتباً عادياً لاشتغلت على الفور ماكينته الرمزية، وأنتجت فكرة قصة قصيرة تتباهى دلالتها بأن الصبّارة هي العجوز نفسها، وأن الاصيص الضيق هو العالم ..

ربما سيتذكر ـ ككاتب عادي ـ أن الصبّار نبات وثيق الصلة بالقبور فيكتشف مجازاً جديداً لقصته يفسّر تمسّك الصبّارة بالحياة بتحوّل بيت العجوز إلى مدفن .. لكنه انتبه إلى مؤذن الجامع المجاور يقول عبر الميكروفون: (يا جماعة إحنا لقينا كيس فيه بانجو ياريت إللي وقع منه الكيس ييجي ياخده) .. لاحظ أن العجوز كانت مشغولة بشيء آخر منعها من التركيز مع ما قاله المؤذن .. كانت تبكي في صمت، وهي تتابع حواراً قاسياً على شاشة التليفزيون بين مذيعة، وأمٍ لطفلٍ قُتل بعد اغتصابه .. كان للمذيعة ثديان كبيران، وللأم وجه شهواني، ولو كان لقاءهما قد تم في ظروف أخرى لأصبح من الرائع توحد جسميهما العاريين في سرير .. كان يفكر في أنه لا توجد مناسبة أفضل من تلك التي تجمعهما الآن .. سألتها المذيعة في نهاية الحوار عما تريده من الرئيس القادم؛ فأجابت الأم وهي تنتحب: (أنا مش طالبة غير حاجة واحدة بس، إنه يرخّص الأسعار شوية)

قال للعجوز أنه يومياً يحكي لابنته قبل نومها حكاية الساحرة الشريرة التي تخطف كل ليلة طفلة جديدة بعد أن تنام، وتأخذها إلى سجن مخيف تحت الأرض لتعذبها: (اتوقع كل ليلة أن تستيقظ ابنتي مرعوبة من وصول الساحرة إليها .. انتظر منها أن تصرخ، أو تبكي، أو على الأقل تنتفض قليلاً دون أن تستيقظ، لكنها للأسف تنام نوماً عميقاً، متواصلاً كقتيلة صغيرة)

بدا كأن العجوز قد توصلّت إلى حل للمشكلة: (لا ترهق نفسك بالبحث عن اصيص كبير .. يمكنني استخدام دلو بلاستيكي واسع كالذي استعمله في غسيل الملابس .. بالنسبة للطين أعتقد أنهم في مديرية الزراعة يعرفون أين ذهب المشتل الذي كان موجوداً على النيل منذ عدة سنوات، يمكنني الحصول على تليفون المديرية من الدليل، وسيخبرني أحد الموظفين بمكان المشتل .. بالتأكيد بمقدورك أن تتفهم أنني لن أطيق الانتظار حتى مرور السيارة نصف نقل التي يبيع سائقها النباتات لأشتري منه الطين .. هل تصدّق أنني لم أره يعبر من الشارع منذ اشتريت منه هذه الصبّارة، لقد مرت فترة طويلة جداً .. ربما لم يعد يستطيع مغادرة سريره نتيجة مرض خطير، بل أغلب الظن أنه مات .. تعرف .. سيكون من الأسهل لو انتزعت الصبّارة من الاصيص المشروخ، ونظفتها جيداً ثم قطّعتها، وضربتها في الخلاط .. أنا أعرف أن الصبّار مفيد جداً لعلاج تساقط الشعر .. طبعاً ستقول لي أن شعر رأسي لا يتساقط بل لا يزال سليماً، وقوياً .. من قال لك أنني أقصد شعر رأسي؟!)