في مبنى ماسبيرو، ثمة أشياء كئيبة، لا تعرف مصدرها على وجه الدقة.

الداخلون إلى المبنى صباحا، والمغادرون في كل الأوقات، يغلفهم ملمح واحد مدهش.. كلهم يبدو على نحو أو آخر فاقدا للأمل.

أحاول تبديد الفكرة من داخلي في كل مرة قادتني الظروف للتجول في هذه البناية الضخمة، لكن عبثا.

أجتاز إحدى الطرقات الدائرية، فأحس شعورا بالغثيان يزحف داخل أحشائي باضطراد ملموس.. ربما هي رائحة الطرقات العطنة التي ”يشوشها” برودة تكييف المبنى.

ربما هي كآبة الجدران وقبحها الذي يبدو كما لو كان قد صنع عن عمد.. بجد واجتهاد .. لا نتيجة إهمال سنين متتالية.

القبح المرتسم على هذه الجدران لا يمكن أن تتبين مصدره على نحو جازم، لكن بسهولة يمكن أن تستنج أنه خليط من إهمال على عدم نظافة على شعور عام بالكراهية والغبن والظلم في هذا المكان.

لم أجرد ذاكرتي من حكايا المحسوبية في ماسبيرو، ومآسي المجتهدين الذين لفظوا من هذا المبنى لأنه لا واسطة لهم، وملاهي الجهلة الذين صعدوا سلم الترقيات الوظيفية، استنادا لأقاربهم أو مهاراتهم في النفاق وفيما لايجوز ذكره في مقال لا يحاول أن يكون عدوانيا تمام العدوانية.

كل الناس تشبه بعضها بعضا في ماسبيرو تقريبا.

الأمر يبدو عبثيا، كأنه أثر جانبي لانفجار قنبلة هيروشيما وناجازاكي.

سيدات ماسبيرو أسيرات أنماط شكلية بعينها.. ويرتدين ملابس خاضعة لتصنيف من اثنين أو ثلاثة على الأكثر.

السيدات في هذا المبنى فرط كثيرات .. لسبب يتعذر أن تخمنه.

(2)

على بوابة ماسبيرو رفضوا أن أدخل ذات مرة، لأنه يوجد تصريح باسمي لكن لايوجد تصريح بلابتوب في حقيبتي!

وقفت مندهشا.. وسألت رجل الأمن: ألا يوجد تصريح باسمي؟ لماذا لا تتركني؟

يقول بثقة تبدو مستندة على درجة ما من المعرفة الكلية: لا يوجد تصريح باللابتوب يا أستاذ..

أقول له: وهل يفترض أن يكون التصريح باسم أحمد الدريني ومشتملاته؟ أحمد الدريني ولابتوبه ومحفظته وساعته وأقلامه وأغراضه؟ لا أفهمك.

يقول لي بلهجة العالم ببواطن الأمور: كي لا يسرق أحد شيئا ما من ”المادة” الموجودة بالداخل.

ماسبيرو الذي نهبه أجيال من اللصوص وبددوا شرائطه وتركوه قاعا صفصفا، يتحسب من لابتوبي ولا يتحسب من فلاشات الداخلين والخارجين من الحرامية الجدد!

ماسبيرو الذي تاجر بمادته وشرائطه القاصي والداني وتبدد تراث مصر على يد لصوصه الذين هم في ظني من سلالة لصوص مقابر الفراعنة، يريد أن يحترز من لابتوب.

حسنا..استخرجوا تصريح من فضلكم للاب توب ماركة إتش بي split x2، خلفية شاشته صورة لقمر كامل يطل على المسجد النبوي، وأحيانا تكون صورة للاعب تشيلسي محمد صلاح في تدريبات الإحماء، مخدوش بعض الشيء من طرفه العلوي الأيسر..

ممكن تصريح؟

(3)

أحس أن كل ماسبيرو يعرف أنني لا أعمل بالمبنى.. مجرد ضيف عابر.

أبدو فرط ضيف.

الناس هنا في ماسبيرو لا يبتسمون.. هناك حالة ما من الوجوم والترقب والتحفز، مجهولة المصدر.

وأسأل نفسي: لماذا لا يبتسم أحد هنا؟

أجلس على كرسي يتظاهر بأنه وثير، وهو في حقيقة الأمر متهالك جدا، وأسرح بخيالي.

هل هم زومبيز؟

أتأمل شحوبهم وعبوسهم، وأحس إن انحباسهم في هذا المبنى الذي لا تتسلل الشمس لطرقاته، انعزال عن الحياة أفضى بهم إلى أن أضحوا سجناء على نحو أو آخر.

المبنى كله يذكرني بحديقة حيوان الجيزة التي زرتها قبل بضع سنوات زيارة دمرت طفولتي بأثر رجعي.

كانت الحديقة كلها متهالكة متسخة يضرب الإهمال أركانها.

حيواناتها مريضة، أسودها هزيلة، طاوويسها تبدو باهتة، يتساقط عنها ريشها..حراس الأقفاص يرتدون ملابس بالية..هناك حالة ما من اابؤس المزري.

وفي ماسبيرو كذلك.

(4)

في كل مرة أخرج من ماسبيرو ويلفحني هواء النيل، وأسمع صخب السيارات، أحس أني لتوي هربت من السجن.

وأقول: ينبغي أن يتم نسف هذا المبنى..إنقاذا للعاملين فيه..وحفاظا على ما تبقى من آدميتهم.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الصحفي والكاتب المصري  الساخر إبراهيم الجارحي