بلكونة جاري واسعة جداً ..

أي أنها لا تستوعب فحسب كثير من الأنواع المختلفة للنباتات المتنافسة في مسابقة جمال لازمنية ـ البلكونات الواسعة تحوّل الوفرة الخضراء إلى أمر مفروغ منه ـ وإنما أيضاً تسمح لجاري، ولزوجته، ولأبنائه، ذوي الأعمار المتباينة بالوقوف جميعاً داخلها في وقت واحد .. بكيفية مبهمة تمرر البلكونة الواسعة يقيناً لا تعوزه الصحة الجيدة بأن كثرة أبناء جاري لم تكن سبباً في خلق تعاسة، أو ندم .. إنهم من نوعية البشر الذين لا يتوقفون أبداُ عن تصدير احتفالهم بالحياة .. يعطونك الحق في تخيل أنه لو اتصل بهم أحد تليفونيا فإن جاري سيرد قائلا: ( آلو .. أنا سعيد جداُ .. مين معايا؟ ) .. عندما تُنزل زوجته (السَبَت) إلى بائع البصل في الشارع؛ تبدو كأنها تقول له: ( إوزن لي سبعة كيلو عشان أنا فرحانة قوي) .. لو وقع صغير من أبنائهم على السلم، وجُرحت ركبته؛ سيصرخ باكيا: ( إلحقيني يا ماما، بس أنا لسه مبسوط).

ربما هناك جدة تقف معهم كذلك .. لا يمكن لبلكونة واسعة بهذا الشكل أن تنتمي إلى أسرة لا يوجد بها جدة .. نفس الأمر ينطبق على القطة .. لابد أن لديهم أيضاً قطة شيرازي كبيرة، كسولة، وكوميدية كطفل غافل؛ رغم أنني لم أرها أبداً .. زوجة جاري تشبه امرأة فرنسية لم تغادر مصر منذ عشرين سنة .. قد تعتقد للوهلة الأولى أن ملامحها هي السجل المكلف بتوثيق تلك الملحوظة، لكن عليك الانتظار حتى يتمدد بصرك بالشكل الملائم أسفل وجهها .. ستساعدك على هذا حتماً الثلاث موجات الكبيرة، المتلاصقة، التي تشكّل سقف البلكونة الواسعة .. كأنها اُنتزعت من بحر قديم عبرته أسطورة غامضة، ثم تناقلتها الأماكن، والأزمان حتى تم تحنيطها في النهاية خصيصاً لتعمل كمظلة هادئة، ممتنة عند أسرة جاري .. ثلاث موجات يستكين داخل تجويف كل واحدة منها (سبوت) يعزف ضوءاً مختلفاً .. لهذا .. عندما يجلس جاري، وأسرته داخل البلكونة ـ نعم هي واسعة أيضاً لدرجة أن بمقدورهم وضع طاولتين، وكل ما يكفيهم من الكراسي ـ تستمتع أجسادهم بثلاثة أنواع من التدليك الناعم للإضاءة الخفيفة الحمراء، والزرقاء، والصفراء .. موسيقى لونية متداخلة بانسجام لا تتوقف عند حدودهم الخارجية بل تسري في دمائهم، على وشك أن تسحرهم إلى طيور ربما .. حينئذ، يمكن لأي منهم في لحظة صمت مطمئن، وبينما يعوم بصره داخل الفراغ الحريري المكلف بحمايته أن يفكر بعينيه المرتخيتين في أن البلكونة أوسع حقاً مما كان يعتقد.

هل تصدق أنهم قادورن على وضع تليفزيون بها أيضاً؟! .. بالفعل يمكنك أن ترى جاري خارجاً وهو يحمله بفرح من أحد بابي البلكونة اللذين تم تصميمهما على شكل مدخلي كوخ؛ وبذلك حصلت حياتهم على نشوة إضافية من الذاكرة الفردوسية للريف الانجليزي .. ما العجيب إذن في أن يأكلوا، ويشربوا، ويتبادلوا الأحاديث الصاخبة، الممتزجة، التي يفردون بها ملاءة شاسعة من الهواء الشخصي، تغطي الغيب .. ضحكاتهم الأقرب إلى قهقهات الآلهة أمام قنوات، الأفلام، والأغاني، والدراما .. يشاهدون أيضاً (وائل الابراشي)، في (العاشرة مساءاً) لأن لديهم اهتمام طبيعي بالسياسة، ولأن البلكونة الواسعة يستطيعون من خلالها السيطرة على العالم .. جاري يشاهد مبارايات كرة القدم، ويلتهم السجائر بشياكة أمام (مدحت شلبي)، و(شوبير)، وهو للعلم لن يصاب بأي من أمراض التدخين .. البلكونة الواسعة ستصد عنه ذلك الخطر .. يستقبلون ضيوفاً أحياناً .. تأتي إليهم أسرة، أو أكثر، يشبهونهم جداً، وبطريقة لا ثير الغرابة .. مهما كان عدد الزائرين فالبلكونة تتسع للجميع .. لجاري، ولأسرته، ولعائلته، ولعائلة زوجته، ولأصدقائه حيث تدل كثرتهم على أنهم مكتملون؛ لا ينقصهم أحد، الموت لم  ينتبه إليهم بعد .. كأن البلكونة تتمدد كلما زاد الحاضرين فيها، وكأن أضواءها الثلاث تزداد نعومة .. هي في الواقع أشبه بلوحة إعلانية ضخمة، ساطعة، معلّقة في السماء عن قرية سياحية في كوكب آخر.

ربما جاري يمتلك شركة في مكان ما بالمدينة، وربما يذهب إليها في المساء .. غالباً تقع هذه الشركة في دورٍ عالٍ جداّ داخل برج، ولديها شبابيك عدة .. شبابيك زجاجية مهيبة، حينما ينظر إليها من عمارة بعيدة للغاية شخص ما عبر نافذة حمامه وهو يتبوّل مثلا؛ سيراها الوحيدة من شبابيك البرج التي يخرج النور منها .. النور الأصفر الذي يبدو في ظلام الليل كدليلٍ على اللذة .. إشارة للتناغم مع الدنيا .. سيتساءل في نفسه ذلك الذي يتبوّل من يوجد هناك .. لابد أن وراء تلك الشبابيك الزجاجية مخلوقات خرافية تتحكم في المجرّة، أو أطفال يحاولون كشف أسرار الكون .. لابد أن هنك رجال، ونساء عرايا، ينامون مع بعضهم طوال الوقت، ويطلبون طعاماً دلفيري طوال الوقت، ويتبادلون الحقائق غير القابلة للشك أثناء الفرجة على القنوات الإخبارية طوال الوقت .. يفكرون دائماً في بلكوناتهم الواسعة التي تشبه بلكونة جاري، ولا ينقصهم سوى ألعاب نارية ترافق كل خطوة لهم.

من المؤكد أن جاري ليس محتجزاً حتى الآن داخل المرحلة القضيبية؛ بحيث أنه يضع يده تحت ملابسه، ويمسك عضوه معظم اليوم .. من المؤكد أيضاً أنه لا يسجّل جيصه بالموبايل ثم يرسله عبر الواتس آب إلى زوجته، ولا يحاول تعليم طفلة من بناته الشخر .. لا أحتاج طبعاً للقول بأن بلكونة جاري واضحة جداً، ويمكن الوصول إليها بمنتهى السهولة، وأن الذي قام بتفجير مديرية الأمن أعمى تماماً.