بالأمس القريب التقيته وسط آتون الانقسام و التناحر و قابلني بذات البسمة الراضية المـتألمة المتأملة …

و خاطبني بذات الكلمات ((مازالنا نعاني من التهميش و لكننا نقدم دمائنا من أجل حماية ما نؤمن به , نحب نعشق وطننا و نعشق حريته و إن لم يمنحنا أياً منهما)).
فصاحته الواضحة , حضوره , كلماته القوية العميقة التي تخرج من عمق الروح و كأنك ترى قلبه ينفعل أمامك أكثر من انفعال الوجه و إشارات الأيدي , تجعلك تبغض مجتمعاً لم يمنحه ما يستحق من تقدير وسط غيابٍ واضح لأي معنىً لعدالةٍ ارتفعت بها إشارات الثورات دون أن تجد الصدى الكافية لها أرضاً.

هي مجتمعاتنا نعشق أن نجعلها في السماء , فلا تجعلنا إلا خير أمثلة للسقوط أرضاً.

و ذكرني بذكرى التهجير , لم ينس , أتذكرين فلان , نعم أذكر , أتعلمين أننا ندين له بالفضل و إن كنت تعدينه على رأس قائمة الفاسدين , أترين هذا المنزل , بني بتراثنا ليخلد تراثاً قد نسيه الجميع , له الفضل بعد الله , و لعل لبعض الفاسدين حسنات , أعلم إنك ستجادلين مراراً و تكراراً و اعلم أنك محقة لكني أدين له بالفضل , كلما جلسنا هنا , أيقنت أن أرواح الأباء لم تفضى عبثاً…أعلم إنك تبغضين الحديث عن القوميات و أنك و إن كنتِ من قوميةٍ أخرى.. تفهمين وقع الأمر و قيمته جيداً و تدركينه بعمق روحك و قلبك حتى أكثر مني …لطالما بغضت التهميش و خاصةً لمن يستطيع أن يقدم الكثير ..الواقع مؤلم , أرهقتنا الطبقية , حينما يجتمع التنكر مع الظلم المتكرر ..حينها لا يسعنا الوفاء إلا لمن مازال في قلبه نبض ضمير..
في صمته المتأمل وسط حديثه المسترسل لم أملك إلا أن أستمتع بالاستماع حتى لحديث الصمت , و كأن لحديث عينيه وقعٌ آخر , حينما تجتمع قوة الصمود و حب التجديد المفعم برياح الماضي, كان المكان يتناغم معه و كأنه يحكي قصته , لم تكن القصة قصة المكان بل قصته هو يحكيها المكان الذي أوجده ذات عمق التشبث المفعم بالأمل.

أرى فيك نبضاً آخر أيتها الطفلة , فهل ستحافظين على ذات النبض أم ستقبلين الضياع المكره وسط أوجه التشابه ؟!, أدهشتني عبقرية الطرح لم أجب لأني أعلم أنه كان كالناصح لا المتسائل لكن أجابني صمته مرةً أخرى ليعديني فقط وقع انبعاث كلماته: (( لا تنسي العودة…فهذا المكان ينتظر الغائب على موعدٍ آخر , حينما ينتصر في غربته و فقط .)) , انتهى انبعاث كلماته ليعاودني حديث الصمت بوقعٍ أشد و كأن حديثه أعاد انبعاثه في حياتي ليعود كما كان دوماً نقطة و فاصلة.