أعلم أن كلماتى لن تُغنى ولن تُسمن من جوع فلن تستدير لتكون رغيف خبز ولن تتكور لتكون كعكاً وهنا يبرق فى خاطرى مقولة مارى إنطوانيت الشهيرة والتى كانت سبباً فى إندلاع الثورة الفرنسية” إن لم يجد الفقراء الخبز ليأكلوه فليأكلوا الكعك“.نحن الذين نشأنا فى البيوت العامرة وما زلنا نرتع فى البيوت العامرة؛نحن الذين لم يمشط الجوع أمعاءهم جدائل ولم تتقلص مَعِدُهم إلى حويصلة عصفور من شُح ما تلتقمه من طعام وحتى وإن كان خبزاً.إن صُمنا تزقزق عصافير بطوننا فى ضجر ولا يهمد صراخها حتى تمتلأ بما لذ وطاب؛فمنا من ينكفأ على وجهه من التخمة فيظل ملتصقاً بالأرض كطود عظيم لا تُسعفه أرجله الواهنة على حمل بطنه أمامه فتضيق أنفاسه وكأنما يتنفس من ثقب إبرة ولا نجاة له إلا بإبتلاع بعض من حبوب الهضم.

من منا نام طاوياً بطنه ليطعم فقير أو عابر سبيل فظلله قوله تعالى”ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة“..!

استوقفتنى صورة ذلك الشيخ الظاعن فى السن تمسد بحبل حول بطنه وكأنه يريد أن يجعل من ذلك الحبل مشنقة لجوعه ولكن عبثاً ذهبت محاولته سُدى فالجوع كافر لايرحم ؛مات الشيخ فى صمت كئيب ليس وحده فقط بل أعداد غفيرة من أشقائنا تموت كل يوم فى صمت؛ عظام متوشحة بجلود شاحبة ذابلة وعيون نظرت لربها تشكو ضعفاً ووهناً وخذلاناً.

أرانى أتضاءل فى عينى..نحن الذين نبكى على طلل حلم ذهب أدراج الريح ..نبكى على طلل حبيب أفل نجمه؛تميد بنا الأرض إن طوقت أعناقنا خيبة ولا يكف الأنين عن الضجيج لهذا أو ذاك.

أعلم أن الكثير منا يقف للحظات كمن يقف على شفير قبر يحوقل ..يزفر تنهيدة وربما يذرف دمعة إن امتلأ نظره بتلك الصورة أو بشىء من هذا القبيل.. ..لكن من يتوسدون أديم الأرض ويلتحفون أديم السماء من ينخر البرد عظامهم وتشوى الشمس جلودهم من يجترون جوعهم فى غِنى عن حوقلتنا عن تنهيدتنا عن دمعتنا فكل ذلك لن يسد رمقهم ولن يهبهم سقفاً أو خيمة يلوذون بها من القُر والحر.

مدوا أيديهم يستجدوننا فعادت خائبة وكأنما أيدى الإخوة بُترت فلم يعد الجسد يتداعى لبعضه بالسهر والحمى وأصبح بنيان التواد والتراحم متهالكاً يراوده عن نفسه التهاوى.

تنبثق من ذاكرتى مقولة أحد الفنيين عندما يتقاعس عن العمل كنت أتوعده بالجزاء والخصم فما كان منه الإ أن يقول” عُض قلبى ولا تعض رغيفى

فأغرق فى بحر من الدهشة فهل رغيف الخبز أثمن من قلب الإنسان..!!

نعم رغيف الخبز قوت البسطاء والفقراء أثمن من القلب عندما يكون الرغيف سيفاً نغمده فى خاصرة الموت جوعاً.

يقول جبران”يا أحبائى الضعفاء شهداء شرائع الإنسان أنتم التعساء وتعاستكم نتيجة بغى القوى وجور الحاكم وظلم الغنى وأنانية عبد الشهوات

انثروا القمح على رؤوس الجبال لكى لا يُقال جاع طير فى بلاد المسلمين

فأين أنت ياخامس الخلفاء أيها الإمام العادل فلقد مات المسلمون جوعاً فى بلادهم…