ببردها الصعيدي الأسود الذي تلتحفه، وبوجهها المتغضن العجوز، وبنظرة الكبرياء المشذب التي ماتزال تلتمع في عينيها رغم العقود التسعة التي اقتنصتها من الحياة الدنيا.. بكل هذا استقبلتني.

تحسست وجهي بيديها الهرمتين : “فيك شبه منه يا وليدي، ماشاء الله عليه كان رجيل..يركب الفرس خيال، ويخيل في العمامة والصوفة البيضا والسودا”..كان اسمه “محمد”…تنطقها بكسر الميم الأولى، فتخرج موسيقى الإسم شجنة عذبة جسورة باكية..في آن معا.

(يا جبر جالك جدع زين خايل إف لف العمامة/إحياة نبينا نبي زين ترحمه ليوم الجيامة)

يوم ما صابه اللي صابه يا وليدي..اتشليت مكاني.. حصل أبوه واندفن معاه في تربته..

أبوه كان خايل وفارس..كريم..يمينه ما تمنع ولو كان على الفرس رامح..

يميل على الغلابة ويدس في حجرهم العطية..ويقول بركة جدي..وكان جده الشيخ العارف، قطب، رجل رباني..كله سلسال مبارك يا وليدي والله..

لما مات روحت على قبره وقالوا المرا اتجنت..عيشت على قبره..أجيب البرتكانة..وأقسمها بيني وبينه..آكل نصها وأدفن نصها جنب تربته..ويقولوا الست خرفت..

إيش يعرفوا يا وليدي إيش يعرفوا؟

كان يجيلي في المنام..يقولي يا نفيسة قومي لربك وادكري..

اجري يا وليدي..اتوضأ وأصلي..محفظتش القرآن ولا بعرف أقرا يا وليدي..بعد ما أصلي أقول: طلع البدر علينا..أقولها أقولها لحد ما الدمع ينزل وأحسه راضي عني يا وليدي..

الواد حصل أبوه وفيك شبه منه..

بالله عليك يا وليدي ما ترحل..بالله خليك معايا..وتعال نقسم البرتكان..

 

***

الفوتوغرافيا للفنان الفلسطيني/ محمد بدارنة