البند الثالث على أجندة مهرجان غرفتي الثقافي والمدعو إليه لا أحد سواي,كان أن أعدت قراءة مسرحية “براكسا أو مشكلة الحكم بتاعت توفيق الحكيم…ياااااه…منذ زمن لم أقرأ هذه المسرحية حتى تصورت أني نسيتها…آخر مرة قرأتها كنت في المدرسة الثانوية وكنت أعد نفسي لأداء دور براكسا (الملكة ) على خشبة المسرح المدرسي:)…

ولعلكم تعرفون كيف كانت نظرة الحكيم للمرأة…نظرة يعلم بيها ربنا! هي كائن جميل وكفى! دة إن كان جميلا كمان! براكسا في المسرحية كانت امرأة جميلة و طموح أرادت أن تصل لحكم أثينا فحرضت جاراتها ولبسن ملابس أزواجهن ثم ذهبن إلى مجلس الشيوخ وصوتن لفكرة أن يعهد بحكم أثينا للنساء!

ولما كان حكم مجلس الشيوخ في أثينا ديموقراطي بحق ربنا ولما مثلت النساء المتخفيات الأغلبية المطلوية لتمرير القرار فقد عهد فعلا للنساء بتولي الحكم…وظفرت براكسا بالعرش…بس طبعا خربتها وقعدت على تلها عشان عمنا توفيق الحكيم الله يرحمه كان عايز كدة!

الحوار في المسرحية في منتهى الجمال…وهو أساسا يدور بين ثلاثة أطراف: براكسا التي تمثل العاطفة أو الرحمة هي الأكثر رعونة, والفيلسوف الذي يمثل الحكمة وهو الأكثر سخرية وصبرا وتسليما بالأمر الواقع فلا الانقلابات تهزه ولا السجن يخيفه…وأخيرا رئيس الأركان…أقصد يعني قائد الجيش وهذا يمثل القوة الغاشمة والكبرياء الأعمى…والحوار بين الثلاثة يدعوك عبر انحناءات الأحداث إلى الحرية وتمكين الأمة من أمر نفسها دون خديعة أو تضليل أو استحفاف…

بينما أقرأ الحوار كنت أسترجع مبتسمة أدائي لهذا المقطع أو ذاك متابعة توجيهات المخرج الوسيم الذي كان يقود العمل…وأدركت ساعتها كيف كان إدراكي للأمور وقتها بسيطا نسبيا وكيف لم تكن المسرحية بالنسبة لي وقتها أكثر من حدوتة مسلية تجري في حتة بعيييييييدة اسمها أثينا فلا تمت لواقعنا بصلة…لم أكن أدرك وقتها أن شعوب الأرض تتلاقي في ذات المساحات…تماما كما تتلاقى طواغيتها…

الفقرة الرابعة في مهرجان غرفتي كانت قراءة تقارير حقوقية حول معتقل جوانتانامو وفي قلب الفقرة كان التساؤل: اشمعنى معتقل جوانتانامو اللي الناس فيه بيتجننو بالكثافة ديا؟ طب ما احنا عندنا أحدث تقنيات النفخ والتفييش والناس بتطلع وتستمر الحياة ومازال النيل يجري…ايه بقى فيه ايه؟ والحقيقة أن ما يذهب بعقول السجناء هناك -كما ورد في تحليلات المتخصصين- ليس الإيذاء البدني ولا حتى المعنوي بل إنها حالة الانتظار اللا منتهية التي تزج بهم في حالة من العدمية والعبثية لا يكون للعقل معها وظيفة…

فراغ…أنت معلق في الفراغ لسنوات ست أو سبع…لا تعرف أصلا ما تهمتك ولا أنت تقدم للمحاكمة ولا أنت يخلَى سبيلك ولا أنت تعرف ما مصيرك…أيام طويييييييلة شبه بعض إرادة العقل والبدن معا فيها مسلوبة…طبعا تفقد المعنى وتتجنن…أقل واجب يعني!

لقد تحدثت إلى ثلاثة أشخاص تعرضوا للاعتقال في مرحلة من حياتهم…واحد منهم قال: كدت أفقد عقلي وما عصمني من الجنون إلا الانخراط في حالة حوار مع نظرائي من المعتقلين…

والتاني حكى لي كيف أنه تعلم أن يحيا في السجن بلا مستقبل ولا مشاريع كبيرة وأن مشروعه الوحيد الذي جعل لبكرة معنى مختلفا عن النهاردة كان كتابة مذكراته سرا على بقايا أوراق مسربة…

الثالث قال: الإيمان…الإيمان بالله ثم بالقضية هو ما يعصم من الضياع في تلك التجربة…فلتكن المحاكمة كما تكون…على الأقل آن لهؤلاء أن يظلموا في ظروف ربما يبدو الظلم فيها ترفا طمحوا إليه في ليل السجن الطويل! على خلفية هذه الأفكار وجدت نفسي أراجع موقع الجزيرة الفضائية لأطالع صفحة أدب السجون من جديد..

رفوف كاملة في أروقة المكتبة العربية الكلاسكية والحديثة يمكن أن تمتلئ بهذا الأدب الكابوسي الأسود من قلب الكافر*

وهكذا كما ترون- أعزكم الله- فإن مهرجان “حجرتي” قد اتسم بصفتين أساسيتين: أولا كونه مهرجانا “استهلاكيا” يعني أنا لا أكاد أنتج فيه حاجة ولا وهم يحزنون بل إني أتغذى على ما أنتجه الآخرون! وثانيا أنه في الأول طلب صهللة وفي الآخر قلب بغم!