لا أستطيع أن أصدق أن ثلاث سنوات مرت على ثورة يناير فأحداث الثورة تبدو في عقلي حديثة كأنها وقعت من شهور قليلة .
أتذكر قبل الثورة بأيام قليلة أن أحد الناس نصحني بالاشتراك في الحزب الوطني حتى أحصل لنفسي على وظيفة محترمة فرفضت كلامه وقلت له أنني لا يمكن أن أكون عضوة في حزب مكون من اللصوص وأن الشعب سيخلع هذا الحزب الفاسد قريبا ولم أكن أعلم أن نبوءتي ستتحول إلى حقيقة بهذه السرعة .
قبل يناير كنت أرى غليان الغضب في عيون المصريين الذي لم يعودوا قادرين على تحمل تدهور الأوضاع الاقتصادية و عجرفة مبارك و سادية الداخلية وتزوير الانتخابات .
لم أصدق المحللين الذين ادعوا أن الشعب المصري أقل وعيا وشجاعة من نظيره التونسي وأن نظام مبارك أقوى من نظام بن علي وكنت أعلم أن يوم 25 يناير لن يشهد مجرد مظاهرات عادية .
أتذكر السعادة التي شعرت بها يوم أن مرت المظاهرات بجوار منزلي وسمعت هدير الأصوات الغاضبة التي تهتف بالحرية وتطالب بسقوط النظام , وعندما رأيت صورة لأحد الشباب ينزع صورة مبارك من فوق اللافتات عرفت أن مبارك سقط وأن خروجه من الحكم  مسألة وقت .
أعترف أنني خفت من النزول للتحرير ولكني جلست أمام شاشة التليفزيون أتابع الأحداث وكلي ثقة من انتصار الشعب على مبارك وكم تعبت حتى أبحث عن ترددات بديلة لقناة الجزيرة والتي كانت القناة الوحيدة التي كانت تساند الثوار في ذلك الوقت بينما كان التليفزيون المصري الذي يحتفل بالثورة اليوم  يفضل نقل مشاهد لنهر النيل على أن يصور مظاهرة واحدة.
أتذكر صدمتي الكبيرة في الإعلاميين والفنانين والمثقفين الذين كنت أحترمهم ثم اكتشفت سطحيتهم وجهلهم ونفاقهم .
لم أبك مثلما بكى كثير من المصريين على خطاب مبارك الشهير الذي ذكر فيه الناس بما فعله في حرب أكتوبر وأنه ينوي أن يبقى لمدة ستة أشهر فقط ,وكنت أعلم أنها تمثيلية يؤديها مبارك للتلاعب بقلوب الشعب .
أتذكر يوم 11 فبراير في المساء لأجد أمي تبتسم لي وتخبرني أن عمر سليمان أعلن تنحي مبارك . عندما استيقظت في 12 فبراير شعرت أن كل شيء في البلد صار أجمل وأنقى وأخف كأننا تخلصنا من عبأ ثقيل كان يجثم على أنفاسنا .
أتذكر التفاؤل اللامحدود بالمستقبل والأحلام التي تخطت حدود السماء وأتذكر أيضا كيف تحولت هذه الأحلام إلى كوابيس فيما بعد .
واليوم أشعر أن ثورة يناير في أضعف حالاتها لأن الإعلام نجح في إقناع الناس أن ثورة يناير كانت مؤامرة ومن قاموا بها كانوا عملاء ,ولأن النظام البوليسي الذي أردنا التخلص منه عاد بشكل أقوى مما كان ,ولأن مصر انقسمت إلى أمصار ولم يعد أحد يهتف من أجل الوطن ولكن من أجل أشخاص وجماعات .
لقد كنا سذج لأننا تصورنا أن سقوط مبارك يعني سقوط النظام ولم نعرف أن نظام مبارك أكبر من شخص مبارك وأن بذرة الاستبداد تضرب في جذور مصر من ألاف السنوات وفي عقول المصريين الذين تعودوا على النظر إلى رئيسهم على أنه الأب الحكيم وليس موظف في الدولة .
لقد استعجلنا قطف ثمار الثورة وتصورنا أنها ستأتي لنا بالسمن والعسل وتجاهلنا تغيير الوطن لا يحتاج إلى ثورة سياسية تغير الحاكم فقط ولكنها تحتاج إلى طائفة من الأشخاص الأذكياء المخلصين القادرين على الدخول في لعبة السياسة من أجل القيام بالتغيير المطلوب .
أعلم أن كثير ممن شاركوا في الثورة يشعرون بالحزن والإحباط في هذا اليوم ويبكون على الفرص التي أهدرت والأرواح التي ضاعت ولكننا نعلم أن البكاء على اللبن المسكوب لن يجدي نفعا وأن الثورة لن تخرج من كبوتها إلا إذا أصر من قاموا بها على التعلم من أخطائهم و إيجاد طريقة لتحويل شعاراتها إلى أهداف واقعية يمكن تنفيذها .

مدونة حكاياتي