ها قد وُلد الطفل المنتظر منذ أيام ، ها هو يبدأ بصرخته الأولي التي تبعث النشوة في القلوب ، ها هم يبتسمون الي بعض فرحا بالمولود الجديد ، و ها قد زاد أعضاء المعهد واحدًا .

أي معهد ؟ .. إنه معهد الرسم ، حيث كل من فيه رسّام ، ما إن تولد في هذا المكان حتي يضعوا في يداك الفرشاة و الاسكتش .. و ها قد أصبحت فنانًا إلي آخر العمر ، فلا يمكنك الخروج من هذه البناية سوي بأن تخرج من جسدك و وجودك ذاته .

و بتقدم العمر يبدأ الجميع بالإنكباب علي التلميذ الجديد بتعليمه أساسيات الرسم .. يعلمونه التذوق الفني ، كيف يمسك الفرشاة ، كيف يمزج الألوان ، كيف يرسم هذا و ذاك ..

و كلما إزداد عمرًا كلما زادت غرفته برسومات معلميه الرائعة .. أو كانت رائعة قبل أن تلطخ بالسواد ، فقد رسموها امامه ليتخذها مثالًا ، لكنه لم يرسم بعد ، فلا أحد في المعهد يطيق أن يري رسمة قبيحة ، و ما إن يفعل أحدهم حتي ينكب عليها تقطيعًا و تشويهًا .. فلا أحد يرسم لوحة حتي يستطيع الرسم 

مر الكثير ، و ها قد أتي الوقت الذي سيرسم فيه الفتي لوحته الأولي .. يمسك الفرشاة و يبدأ برسم هذا المنظر الخلاب المتألق في خياله .. ها قد رسم بالرصاص ملامحها … و ها قد بدأ يلونها بالزيت .. أخذ يدمج الألوان و يلطخها علي اللوحة .. بدأت اللوحة تتخذ منظر الجمال .. لكن الصبي لحسه الفني قد شعر أن الرسمة تنقصها لمسة جمالية ، ذهب و أتي باللون الأسود ، و أخذ يضفي لمسات علي لوحته ، بدأ يبرز جمال اللوحة أكثر .. ﻻحظ الفتي إرتباط ازدياد جمال اللوحة بزيادة لمسات هذا اللون .. فبدأ بزيادة الكمية الموضوعة علي الفرشاة .. أخذ يضع اللون في كل بقعة عليها .. و ها قد إنتهي و قد أًصبحت اللوحة غارقة في السواد ..

لم يكن الصبي أول من يفعلها ولا أول من يظن بهذا الظن .. و لن يكون آخرهم .. فلقد كانت أغلبية من في المعهد  يفعل هذه الفعلة الشنعاء في كل لوحة تُرسم ، و لم يتوقف عن فعلها إلا من فهم معني الجمال .