تابعت بدهشة مسلسل سقوط الخلافة الذي تركز على الحديث الذي يرسمه التيار الاسلامي عن السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله في إطار واحد فقط هو فلسطين حيث يرسم ملامح انقلاب الاتحاد و الترقي على انه انقلاب يهدف لعزله من اجل السيطرة على فلسطين..

و لما كانت الحقيقة خلاف هذا فقد رأيت أن أطرح عليكم ما حدث فعلياً بعيداً عن الاختباء وراء كلمة قضية القدس و دعوة الله ممن يروجون لهذا ألا ينتبه احد للمفارقات التي تكشف زيف تلك الرواية العجيبة..

يروج المسلسل لفكرة ان الاتحاديين انقلبوا ضد السلطان رحمه الله من أجل اعطاء فلسطين لليهود و هذا أمر مضحك بحق فدارس تاريخ تلك المرحلة سيدرس حتماً تفاصيل الانقلاب و بالتاكيد سيجد أكثر من دليل على زيف تلك الرواية بوضح..

فماذا حدث؟..

كان عهد عبد الحميد الثاني رحمه الله عهد عثماني بإمتياز حيث إمتلأ بالاستبداد و قمع أي محاولة لإقامة دستور للبلاد يقيد سلطات السلطان المطلقة و مر العهد بعمليات قمعية مرعبة كان أبرزها خنق مدحت باشا الرجل الاصلاحي الذي أسس لدستور عصري معتمد على دساتير اوروبية بهدف تحويل السلطنة لدولة دستورية ملكية لكن بالطبع لم يكن عبد الحميد ليجعل للدولة صدر أعظم منتخب و أحزاب بينما هو سلطان شكلي تتم محاسبته فقمع بعنف كل الاصلاحيين باعتبارهم خونة و أبرزهم المرحوم مدحت باشا ، في تلك الأثناء ظهرت للوجود جمعية الإتحاد و الترقي أو تركيا..

في العام 1890نشأت في اسطنبول جمعية تهدف إلى المطالبة بعودة الحكم الدستور الذي تم تعليقه بسبب الحرب مع روسيا تحت اسم جمعية ( الإتحاد و

الترقي) و بدأت في الانتشار مما دفع السلطان (عبد الحميد الثاني) إلى القبض على أعضائها و نفيهم إلى الخارج مما دفعهم إلى التجمع ثانيةً في باريس بالعام 1902

باسم تجمع الأحرار لتمتد بخيوطها إلى البلقان و سالونيك تحديداً و باقي أرجاء تركيا في اسطنبول و غيرها و تضم ضباط إليها منذ مجئ العام 1907  مزودةً بإمكانيات لم تكن لتتوافر لها في نشأتها الأولى..

بينما هذه الأحداث تدور كانت هناك أمور أخطر تتم..

أوفدت ( تيودور هرتزل ) قائدها مع الثرى (كاراسو) رئيس الجالية اليهودية بأزمير لطلب تنفيذ مشروعها ألا وهو إتاحة إقامة كيان جديد في فلسطين لليهود مقدمين المشكلة اليهودية له و طالبين عفوه و رضاه مستغلين أنه قد سبق و سمح بإقامة مستعمرات يهودية في فترة معينة  و حالات جزئية لهم بالسماح بشراء أراضي و كذلك تمييزه في منع الهجرات بين يهود بلاد و يهود آخرين كل هذا لاعتبارات إنسانية بحتة  إلا أن (عبد الحميد الثاني) رفض تماماً التوزيع أو البيع أو التخلي أو المنح لأرض فلسطين ووقف في موقف رجولي شجاع حسبما تروي المصادر التاريخية مؤكداً أن أرض فلسطين لكل الأديان و البشر لكنها ملك للدولة العثمانية و هي أرض عثمانية مسلمة لا يجوز التفريط فيها مما دفع تلك المنظمة إلى دعم جمعيات عدة بصورة غير مباشرة أو عبر رعايا يحظون بالرضا العثماني مثل (جاويد) بحيث يتم استغلال الوضع المتدهور سياسياً و عسكرياً و اقتصاديا لضم ضباط من الجيش العثماني يرغبون في تصحيح الأوضاع و الإطاحة بالسلطان  ليحققوا هدفهم عن طريق إيصال سلطان آخر يمكنهم التعامل معه أو على الأقل التخلص من (عبد الحميد الثاني) الذي يفضل الموت على أن يتنازل عن ذرة تراب من أراضى فلسطين..

..

و جاء الانقلاب..

كالصاعقة على رأس الجميع  انفجرت الثورة ضد (عبد الحميد الثاني)  يوم 24/7/1908 إذ تلقى (نيازى) أحد قادة الاتحاد و الترقي المؤسسين أمر بالحضور لاسطنبول بمفرده مما جعله يتصور أن الغرض القبض عليه لاكتشاف أمره فانفرد بمجموعة من الرجال معلناً الثورة و منطلقاً إلى جنوب مقدونيا و تبعه (إسماعيل أنور) الذي هجم بقواته على شمال مقدونيا في حركة متهورة جداً لا تخطيط لها و لا تعتمد إلا على عنصر المفاجأة وحدها مما دفع أحد أعضائها غير البارزين و هو (مصطفى كمال) إلى تجاهل ما يحدث متصوراً أنهم كالمعتاد سيخسرون لأن منظمة من ثلاثمائة مدني و عسكرى لا تستطيع إجبار احد على شئ لكن كانت المفاجأة  حين انتصرت الثورة بشكل غير معقول حين توجهت فرقة بأوامر من السلطان لقمع الاتحاديين الذين تفرقوا في جبال مقدونيا بيأس واضح إلا أنها انضمت إليهم هناك فعاد السلطان ليأمر أفضل فرقة بالجيش و أكثرها تدريباً و تسليحاً بالهجوم إلا أنهم أعلنوا صراحةً رفضهم لتنفيذ الأمر بشكل كان يوضح أن (عبد الحميد الثاني) كان يدفع ثمن تجاهل شكاوى العسكر و استجابته لمطامع أوروبا تجاه الجيش بالاضافة لفاتورة الاستبداد الذي حطم البلاد أكثر مما كانت عليه دون مقاومة منه خوفاً من حرب لا يقدر عليها ، هنا قرر (إسماعيل أنور) الهجوم مباشرةً على اسطنبول و اقتحامها إلا أن السلطان الذكي أدرك أنه سيخسر المعركة فور دخول الجيش المدينة  فأمر بعزل كل مستشاريه و إعادة الدستور الذي كان قد أمر منذ عقود بتعليقه  ووصف الاتحاديين بالأبطال و استقبلهم بنفسه في العاصمة حيث دخل (أنور) و رفاقه أبطالاً متوجين و ضمن (عبد الحميد الثاني) أنه سيبقى بالعرش و هذا ما حدث فعلاً إذ لم يتم عزله بل ظل سلطاناً و إن تم تقييده في سلطاته كثيراً ليعلن (أنور) من فندق (أوليمب بالاس) عودة الحكم الدستوري الذي جمده السلطان منذ عقود طويلة وسط تأييد جارف من الشعب لما يرونه وسيلة لتخليص البلاد مما هي فيه ، و سرعان ما امتلأت المدينة بكل أطياف السياسيين الذي نفاهم أو طاردهم السلطان (عبد الحميد الثاني) مما أدى لنتائج رآها (مصطفى كمال) بالغة الخطورة إذ أنهم وصلوا سريعاً لقيادة (الاتحاد و الترقي) على اختلاف أطيافهم و أطماعهم مما شكل خللاً سياسياً كبيراً أدى لنتائج أطاحت ببعض قادة (الإتحاد و الترقي) أنفسهم إذ انه و مع وصول السياسيين و أحزابهم للعاصمة و تمكنهم و الوصول لمناصب كبيرة بالجمعية بدأوا في التخلص تماماً من كافة القادة (أنور) باشا تم نقله لبرلين كملحق عسكرى و (نيازى) نقل إلى ألبانيا ثم تم قتله و الإطاحة بباقي الاتحاديين لنقلهم خارج تركيا و منهم (مصطفى كمال) الذي تم نقله لطرابلس لتكون النتيجة خروج جمعية (الإتحاد و الترقي) من الحكم كذلك تدهورت الأحوال الخارجية بسبب اضطراب الأوضاع السياسية إذ أن بلغاريا في 5 أكتوبر من العام 1908 أعلنت الاستقلال و ضمت النمسا و المجر البوسنة و الهرسك في 7 أكتوبر ثم قامت ثورة كبرى في ألبانيا تلتها  اليونان حين ضمت كريت في 12 أكتوبر مما فجر الغضب الشعبي من النتائج و بات الأتراك في حيرة مما يحدث و تصاعد الغضب الشعبي  أكثر فأكثر مما دفع السلطان (عبد الحميد الثاني) إلى أن يستغل الموقف عبر إغداق المال على فئات صغار الضباط لكسب تأييدهم و نشر الوعاظ و الشيوخ للدعوة ضد الحكومة الحالية و بقايا الاتحاد و الترقي بوصفهم كفاراً يكرهون الإسلام مما ساعد في يوم 31 مارس بالعام 1909 على قيام الضباط الشبان بالثورة المضادة على ما حدث بالعام الماضي فقتلوا بعض قادتهم و سجنوا البعض الآخر و طردوا بقايا الاتحاديين من اسطنبول فغادروها هرباً إلى مقدونيا حيث لجأوا إلى القائد الأعلى للقوات العثمانية بمقدونيا (محمود شوكت باشا)  العراقي الأصل طالبين منه أن يدعمهم لدخول اسطنبول إلا انه تردد و بدا عليه عدم القبول حتى وصل (مصطفى كمال) من طرابلس إلى مقدونياً و اجتمع به شارحاً الأمر و مؤكداً أن السلطان لو بقى فلن تعود الأمور إلى ما كانت عليه فحسب بل ستصبح أسوأ فهو حاز فرصة الإصلاح ثم قمعها ثم حاز فرصة أخرى و انقلب عليها  و خيره بين واجبه العسكري و واجبه الوطني فحسم (محمود شوكت) قراره و أصدر أوامره إلى قوته بالهجوم على اسطنبول لتدخلها في 27 إبريل و تعزل السلطان (عبد الحميد الثاني) و تنقله لسالونيك..

..

هذا ما تم فماذا نرى:

-1-مشكلة الاستبداد و تكوين جمعيات وطنية ضد الاستبداد العثماني .

-2-ظهور مشكلة فلسطين و الصهيونية .

-3-دعم للكثير من المنظمات التي تضم ضباط جيش من قبل بعض اليهود .

-4-إنقلاب و دعوة للدستورية ثم انقلاب مضاد للدستورية .

-5-عودة الحكم الدستوري و نفي عبد الحميد للأبد .

..

أين فلسطين و تسليمها لليهود في أهداف جمعية الاتحاد و الترقي؟

إن الانقلاب تم بسبب استبداد عبد الحميد و رفضه لأي دستورية في الحكم و إصراره على القمع  التنكيل بكل أمل ديموقراطي في الحكم و كان الانقلاب بسبب الاستبداد و لم يكن لفلسطين بالمرة أي دخل فيها..

الأغرب..

كيف يقولون ان هدف الاتحاديين عزل عبد الحميد و نفيه بينما بعد نجاح الانقلاب أبقوه و أقاموا نظام دستوري لمدة عام؟؟

إذا كانت مؤامرة صهيونية عبر الاتحاديين فلم بقى عام بالحكم؟

..

إن ما حدث هو دعم لجمعيات تضم عسكريين يرغبون في اقامة حكم دستوري ضد سلطان مستبد و دموي  لتحقيق هدف مشترك هو التخلص من عبد الحميد فقط ، تلا هذا نجاح الانقلاب و التخلص منه أما فلسطين فكانت سبب الدعم دن الاتفاق فلم يكن هناك اتفاق لعزله و بيع فلسطين بل دعم للإتحاديين فقط دون أي شروط و لنتذكر أن الاتحاديين هم من كان يقاتل دفاعاً عن فلسطين حتى الانسحاب عام 1918..

..

إن الاستبدادي عبد الحميد ثار عليه جيشه و شعبه بسبب الظلم اما فلسطين فكانت سبب لدعم أي جمعية مضادة له فلم يكن الاتحاديين صهاينة  لا أعداء الخلافة بل أعداء الاستبداد..