(1)

يتداول أبناء محافظة الفيوم حكاية ذائعة منذ زمن بعيد، مفادها أن حسني مبارك لم يكُن يذهب للفيوم مطلقًا ولا يزورها، لأن عرافًا أو متنبئًا أو شيئًا من هذا القبيل، حذره من أنه إذا ذهب للفيوم، سيُقتَل!

لم يشتهر مبارك باهتمامه بأي بعد غيبي أو خيالي حتى، لكن في عام 2005 وقبيل الانتخابات الرئاسية، تصدرت شارع محمد محمود يافطة قماشية تزعم أن مبارك رجل صالح ظاهرًا وباطنًا بموجب رؤية رأتها سيدة ما، وأن مبارك ينتمي في نسبه للبيت النبوي الشريف، وأنه مؤيد لا ينهزم.. بالإضافة لبعض التعبيرات «الروحية» غير المفهومة التي تمدح مبارك كأنه من أولياء الله الصالحين المنصورين من فوق السماوات العلى.. ثم مهرت السيدة صاحبة الرؤية واليافطة اسمها في ذيل رسالتها البليغة.. «الشيخة ماجدة».

ستظهر هذه السيدة بعد 6 سنوات كمادة للتندر والفكاهة في محاكمات مبارك دون أن يتذكر أحد الواقعة الأولى- على الأغلب- لظهورها على الساحة.

ورغم ما يبدو أن علاقة الشيخة ماجدة بمبارك علاقة من طرف واحد على الأرجح.. إلا أنها تشي بأن محاولات عديدة للتواصل مع مبارك قد جرت من زاعمي امتلاك قوى روحية أو شيء من المعرفة الغيبية.. كما هي طبائع الحياة منذ نشأة الدول والممالك.. العراف أو الشيخ أو البابا.. يجلس بجوار الملك أو الأمير أو السلطان.

ثم جرت الغمغمة هنا وهناك بأن مبارك لا يعين نائبًا له، لأن نبوءة ما أيضًا قيلت له، مفادها أنه سيترك الحكم بعد أيام من تعيين نائب (وقد جرى!).

(2)

في كتابه «طريق مصر إلى القدس» يحكي بطرس غالي عن الدور الغريب الذي كان يلعبه حسن التهامي، أحد الضباط الأحرار وأبرز معاوني السادات في مفاوضاته مع الإسرائيليين. فالتهامي كان يزعم أنه يرى رؤى ويتلقى بشارات وأنه يلتقي «سيدنا الخضر» في مقابلات خاصة ويعرف منه بعض الأشياء.

وكان تقريب السادات للتهامي دالًّا وواشيًا، وربما يتسق مع خيالية السادات وميوله الدينية ذات الطابع «الغرائبي» أحيانًا.

وأذكر هنا جملة عابرة تفلتت من الأستاذ محمد حسنين هيكل عام 2006 في منزله أثناء لقائه بعدد من الصحفيين، حين تطرق لوصف جزء من تجربته مع الرئيس السادات، خاصة بعد ميل الأخير-بغتة- لإعلاء قيمة البعد الديني والغيبي للأمور.

قال هيكل في معرض حديثه «..وفجأة بقى كل اللي حوالين الرئيس السادات بيشوفوا رؤى»، في إشارة للسياق الجديد الذي أضحى متحكمًا في عملية صناعة القرار لدى الرجل الذي كان يخطط لحرب أكتوبر.

وبعد الحرب تداولت بعض الطرق الصوفية وأبناؤها ثرثرات هنا وهناك عن استعانة السادات ببعض المشايخ لأجل اختيار يوم للهجوم على إسرائيل، وهو ما ترجم- بزعمهم- إلى توسعة لمسجدي السيد البدوي وسيدي إبراهيم الدسوقي عام 1973، بتوجيه مباشر من السادات.. لكن لا أحد يملك إثباتًا واحدًا على هذا، ولا توجد قرينة حاسمة لإخضاع كل هذه التصرفات في منظومة واحدة، يمكن فهمها.

(3)

في إطار استطلاع الرأي العام المصري في الستينيات، يقال إن مكتب الرئيس عبدالناصر أحضر له حفنة خطابات من التي يلقيها المصريون في صناديق نذور أضرحة الأولياء الصالحين.. وفوجئ عبدالناصر أن رجلًا بسيطًا كتب جوابًا وألقاه داخل مقام الإمام الشافعي، يشكو له عبدالناصر والفقر الذي جاءت به أيام عبدالناصر، ويطلب من الإمام الشافعي 20 جنيهًا.

فما كان من ناصر إلا أن أرسل للرجل 10 جنيهات على الفور مشفوعة بخطاب..

ثم جاء مكتب عبدالناصر بعد أيام ليطرح أمامه خطابًا جديدًا من نفس الرجل للإمام الشافعي يقول له  «يرضيك يا جناب الإمام.. عبدالناصر ياكل عليا 10 جنيه؟».

وفي الواقعة تصرف غريب- برأيي- من عبدالناصر، حين يتصرف بالنيابة عن الإمام الشافعي كما لو كان حيًّا أو كما لو أن رابطًا ما يربطهما ويعطي للرجل المبلغ الذي طلبه (أو حتى نصفه!)..

وفي نفس السياق، نشرت مجلة روزاليوسف عام 1993، قصة طويلة منسوبة لأحد المتصوفة السودانيين الذي يقول إنه أهدى لعبدالناصر خاتمًا ليحفظه، بناء على رؤيا رآها ونداء سمعه يأمره بإيصال الخاتم المبارك لرئيس مصر، ولما وصل الخاتم لناصر اعتز به بشدة وحافظ على ارتدائه، إلى أن ضاع منه فجأة ثم توفي بعدها بوقت قصير.

وهي الوفاة التي سيزعم ثلاثة حاخامات إسرائيليون هم إسحق كَدُّورى، وشاؤول داود حي معلم، ويوسف زاروق فيما بعد أنها جرت بعدما دبروا بعضًا من طقوس السحر الأسود بغرض اغتيال عبدالناصر.. وقد نجحت جهودهم، مثلما زعموا.

والوقائع إن صحت، فهي تميط اللثام عن الجانب الغيبي الخفي الذي كان يتحكم في مصير السياسة المصرية من بوابتها الخلفية.. وإن لم تصح أو لم ترتبط سويًّا في ناظم واحد يفسرها، فهي على أقل تقدير تشي بأن ضبابًا اكتنف المشهد في هذه الزاوية.

(4)

اضطرب الحجاج بن يوسف الثقفي حين قال له أحد العرافين إن شخصًا اسمه يزيد هو الذي سيخلفه على العراق.. وأخذ يقلّب في حملة اسم يزيد باحثًا عن أيهم الأقرب لتتحقق فيه النبوءة.. فإذا صهره يزيد بن المهلب هو المناسب تمامًا لمثل هذا الدور!

سعى الحجاج لدى عبدالملك بن مروان إلى أن عزل يزيد من ولاية خراسان، ثم أخذ يطارده بجنون ساجنًا إياه ومنكلًا به، خائفًا من مصيره المستقبلي خارج الحكم ومن أن يخلفه هذا الشخص.. إلى أن مات الحجاج وهو ابن 54 عامًا في طور أقرب للخبال..

ثم خلفه بالفعل يزيد بن الملهب وتولى حكم العراق!

ربما نشط الحجاج في تعميق شعور الحكام الأمويين بأهمية يزيد إلى الحد الذي جعل من نبوءة ربما كانت مجرد كلام طائش أو «اشتغالة»..أمرًا واقعًا..

ربما جعل الحجاج من الوهم حقيقة دامغة.. تعقبها فخلقها من عدم وأوجدها من فراغ.

(5)

للسيسي حق الحلم، وحق تلقي البشارات الغيبية.. وحق إذاعتها أو كتمانها..

لكن الخطر كل الخطر حين يسعى السيسي على مذهب الحجاج لتحويل أحلامه إلى حقيقة.. بعد رؤيا عابرة رأى فيها الرئيس السادات يتبادل معه الحديث حول يقين كليهما من أنهما سيصيران رئيسين للبلاد..

عزيزي الفريق السيسي، أكره أن أتطفل على مناماتك من مدخل فرويدي أو من بوابة ابن سيرين الذي أفرد مرويات كثيرة للرؤى السياسية التي كان يراها الملوك والأمراء في عصره، وكيف آلت أمورهم في نهاية المطاف.

وربما أنت في غنى عن تذكيرك بأن سلفك محمد مرسي (إن حكمت أنت مصر وأصبح هو سلفك!) كان قد قيل إن نبوءات في التوراة جاءت بذكره وبذكر حكمه للبلاد.. في محاولة من الإخوان لتصوير أن حكمه «البشارة القديمة» و «القدر المحتوم».. إلى أن قبع داخل أسوار السجون.. رغم «النبوءة» التي يبدو أن الإخوان لم يقرأوا سوى نصفها فحسب!

عزيزي الفريق السيسي «جفت الأقلام وطويت الصحف».

—————————————————————————

نُشر المقال للمرة الأولي في جريدة “المصري اليوم” المصرية

http://www.almasryalyoum.com/node/2433081