من صفوف الفقراء جاء، وبينهم عاش، ومن أجل قضاياهم كتب أجمل قصائده، وهم من تصدروا الصفوف في تشييعه لمثواه الأخير.

الاسم “صابر” والتهمة “مصري”..

إنه أحمد فؤاد نجم، أو {الفاجومي}، أو {الشاعرالبندقية} كما أطلق عليه البعض. تكثر المسميات أو تقل، ولكن لنعرفه بأنه أحد أخلص وأصدق أبناء {بهية}. نعم كان نجم عاشقا صادقا {لبهية}، مصر، عاش كل همومها، وعانى عثراتها، وذاق مرارة فقرها، وأمضى سنوات طويلة من عمره بين زنازين سجونها، وشارك بشخصه وكلماته في ثوراتها وانتفاضاتها. على امتداد أكثر من خمسين عاما، كتب إمام وغنى رفيقه إمام مئات القصائد التي رددتها الألسنة وألهبت القلوب والعقول وانتشرت مثل النار في الهشيم، في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، لتنقل هموم المظلومين والفقراء والمهمشين، وتقض مضاجع الحكام.

ولد في سنوات الأزمة المالية العالمية عام 1929، منعه الفقر وضيق الحال من إكمال تعليمه. قضى أكثر من عشر سنوات في أحد دور الأيتام، قبل أن يضرب في الأرض بحثا عن مصدر قوت. تنقل بين عديد المهن، وتعلم القراءة والكتابة في استراحاته القصيرة بين معتقل ومعتقل.

تحمس لثورة يوليو، وأحب عبد الناصر، ولكن هذا الحب لم يحل دون أن يلقى به النظام في السجن عندما ضاق من كلماته ومن صوت رفيقه إمام. صدمته النكسة، مثل ملايين المصريين، فتفجر شعره ألما وغضبا وصدح إمام بكلماته الناقمة مثل {خبطنا تحت بطاطنا يا محلى رجعة ضباطنا} ، و{يعيش أهل بلدي}. وفي سنوات حرب الاستنزاف، استعاد الثنائي المتمرد روح الصمود، ليكتب نجم {يا مصر يا مه يا بهية}، و {يا واد يا عبد الودود.}

رحل عبد الناصر، وجاء السادات، ومعه جاء نصر أكتوبر، ولكن الحياة لم تبتسم لإمام، فهو كما يقول المثل الشعبي “المتعوس متعوس” ، لم يهنأ {الفاجومي} بالنصر، حتى صدمه اتجاه السادات للصلح ومعاهدة السلام مع إسرائيل، ومن بعدها سياسة الانفتاح الاقتصادي، ليجد نجم نفسه من جديد في صدام مع السلطة. ويكتب {الشاعر البندقية} قصائده الغاضبة ضد الفساد مثل {بقرة حاحا{، و {أوقة المجنون} و{احنا مين وهما مين} و {الست جيهان} وفي انتفاضة يناير 1977، وجد إمام نفسه مجددا خلف القضبان، ووصفه السادات بــ”{الشاعر البذئ}.

غاب إمام في المعتقل ولم تغب أشعاره، ومن سجن قرة ميدان في القلعة ، كتب أحد روائعه {الورد اللي فتح في جناين مصر}. جاءت سنوات مبارك الثلاثين، خرج في بدايتها نجم من السجن بعفو رئاسي، وبقى على يسار السلطة كما كان دائما.

لم يتوقف إمام عن نقد الظلم والفساد ومحاولات التوريث، ليكتب في سنوات مبارك الأخيرة {كأنك مفيش} و{البتاع} و {مبروك يا عريسنا} التي فضح فيها محاولة توريث مبارك السلطة لنجله جمال. عاش نجم ليرى حلمه في التغيير والثورة والمشاركة في صنعها، فكان من أول الحاضرين بشخصه وأشعاره في ثورة يناير. وخلال مقابلة تلفزيونية أثناء الثورة قال الفاجومي، إنه حالف ما يموت قبل ما يرحل مبارك.

ورغم رحيل مبارك، يبدو أن سوء الحظ بقى ملازما لبهية وشاعرها ، فقد نجم صدم مثل كثيرين بطريقة إدارة المجلس العسكري للبلاد، وبعدها بوصول الإخوان للحكم. وخلال السنة التي قضاها مرسي في الحكم، أعاد نجم مجددا القسم بأنه لن يموت قبل أن يسقط نظام مرسي، وقد حدث.

وهكذا أثبت صدقه في موعد موته كما في كلماته. رحل الفاجومي، وترك خلفه معشوقته {بهية} تتملس طريقها نحو المستقبل، تسترشد بكلماته وأشعاره. رحل {الفاجومي}، أحد القلائل الذين يمكن وصفهم بأنهم مصريون في كل شيئ.