هل تتبنّى الأديان حقوق الإنسان كما يدّعى أهل الدين من شيوخ و قساوسة فى محاولة منهم للدعاية الدينية و نفى الإتهامات عن عدم تقبّل أديانهم للآخر , أم أن هذا الكلام هو واقع حقيقى موجود فى النصوص الدينية , بتصفّح الميثاق العالمى لحقوق الإنسان و التى أقر العديد من الحريات و الحقوق الواجب توافرها لكل إنسان على هذا الكوكب وجدت بعض النصوص التى تتعارض صراحةً مع أى نص دينى سماوى موجود فى الديانات الشرق أوسطية , فمثلا فى المادة 18 و التى تتحدث عن عملية منع الدولة من فرض ديانة معينة أو عدم إجبار أى أحد على إعتناق و تبنّى معتقد أو دينى أو تقليد معين لأسباب ذاتيّة , و هو ما يعنى من منظور آخر ما يسمى بحرية المعتقد و الذى نصّه أنه لكل شخص الحق فى حرية التفكير و الضمير و الدين , و يشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته , حرية الإعراب عن هذه الحقوق الممنوحه بالتعليم أو الممارسة أو إقامة الشعائر سواء أكان ذلك سرًا أو مع جماعة من المؤيدين لهذه الحرية , و لكن هذا يتضارب صراحةً مع كل الحريات الممنوحة للأفراد المعتنقين للديانات السماوية جميعًا , و نظرًا لقلة عدد المتبعين للديانة اليهودية نسبيًا مع متبعى الديانتين المسيحية و الإسلامية فسأتّجه مباشرة للديانة المسيحية كبداية , و لكن أولًا يجب أن أوضح أن بعض المسيحيين الذين يعتقدون أنه من غير الملزم عدم الإيمان و الإقتناع بالعهد القديم هو شئ راجع للشخص , و هذا شئ خاطئ تمامًا بل على العكس هو مناقض لبعض آيات العهد الجديد مثل ما جاء فى إنجيل متى (5 :17) (لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. ‍مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّل) و هناك أيضًا ما جاء فى رسالة بطرس الرسول الثانية (1 :21) (لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.) , و نظرًا لعدم وجود نص واحد فى العهد الجديد  يُفهم منه من قريب أو من بعيد أن المسيح قد أبطل الشريعة التي أمر بها  إله العهد القديم (يهوه) و الخاصة بالعقوبات فهو ما يعنى إلتزام المسيحيين جميعًا بالعهد القديم كامل بإعتباره الأساس و المهد الرئيسى للتشريع فى الإنجيل.

و الآن مع عقوبات حد الإرتداد أو تبديل الدين أو حتى الدعوة لعقيدة جديدة مختلفه عن المسيحية فى العهد القديم و التى إختص سفر التثنية بفرد نص إصحاح كامل لهذه العقوبات و هو الإصحاح 13 و هو ما إتفق فى تفسيره القص أنطونيوس فكرى و القمص تادرس يعقوب الملطى , فى أن شرح هذا السفر بالذات يتحدث عن عقوبة رادعة و دموية لمن يبشر بغير ديانة الرب , و هو ما إختصت به آيات بداية السفر و التى تحدثت عن كيفية التعامل مع مبشرى الأديان و العقائد الأخرى (إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلْمًا، وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ أُعْجُوبَةً،‏وَلَوْ حَدَثَتِ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ الَّتِي كَلَّمَكَ عَنْهَا قَائِلاً: لِنَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا وَنَعْبُدْهَا،‏فَلاَ تَسْمَعْ لِكَلاَمِ ذلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الْحَالِمِ ذلِكَ الْحُلْمَ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ.‏ وَرَاءَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ تَسِيرُونَ، وَإِيَّاهُ تَتَّقُونَ، وَوَصَايَاهُ تَحْفَظُونَ، وَصَوْتَهُ تَسْمَعُونَ، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وَبِهِ تَلْتَصِقُونَ.‏ وَذلِكَ النَّبِيُّ أَوِ الْحَالِمُ ذلِكَ الْحُلْمَ يُقْتَلُ، لأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالزَّيْغِ مِنْ وَرَاءِ الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، لِكَيْ يُطَوِّحَكُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَمَرَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ أَنْ تَسْلُكُوا فِيهَا. فَتَنْزِعُونَ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ.) (تثنية 13 : 1 – 5) , أما عن عقوبة الأشخاص المنتمين لديانة مغايره و هو ما يتم تفسيره طبقًا لمنظور الأيات السابقة بالمرتدين عن الديانه المسيحية قد تم فرد الآيات من 6 إلى الآيه 11 و كيفية التعامل معهم بما يحفظ للديانة المسيحية كيانها بوضع عقوبة رادعة حتى لأقرب الأقربون (وَإِذَا أَغْوَاكَ سِرًّا أَخُوكَ ابْنُ أُمِّكَ، أَوِ ابْنُكَ أَوِ ابْنَتُكَ أَوِ امْرَأَةُ حِضْنِكَ، أَوْ صَاحِبُكَ الَّذِي مِثْلُ نَفْسِكَ قَائِلاً: نَذْهَبُ وَنَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا أَنْتَ وَلاَ آبَاؤُكَ‏ مِنْ آلِهَةِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ حَوْلَكَ، الْقَرِيبِينَ مِنْكَ أَوِ الْبَعِيدِينَ عَنْكَ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا،‏ فَلاَ تَرْضَ مِنْهُ وَلاَ تَسْمَعْ لَهُ وَلاَ تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ، وَلاَ تَرِقَّ لَهُ وَلاَ تَسْتُرْهُ،‏ بَلْ قَتْلاً تَقْتُلُهُ. يَدُكَ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلاً لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا.‏ تَرْجُمُهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ، لأَنَّهُ الْتَمَسَ أَنْ يُطَوِّحَكَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ.‏ فَيَسْمَعُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ وَيَخَافُونَ، وَلاَ يَعُودُونَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ الشِّرِّيرِ فِي وَسَطِكَ.) (تثنية 13 : 6 – 11) , أما عن باقى السفر و الذى يتحدث صراحة عن كيفية التعامل مع المدن و البلدان التى تقر مبدأ حرية التديّن فى دساتيرها و التى من وجهه نظر المسيحية تطالب بمنع تنفيذ شريعة الرب فيأمرنا باقى السفر بالتعامل معها بالقتل و التنكيل و التى تتضح من سياق الآيات التالية (إِنْ سَمِعْتَ عَنْ إِحْدَى مُدُنِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَسْكُنَ فِيهَا قَوْلاً:‏ قَدْ خَرَجَ أُنَاسٌ بَنُو لَئِيمٍ مِنْ وَسَطِكَ وَطَوَّحُوا سُكَّانَ مَدِينَتِهِمْ قَائِلِينَ: نَذْهَبُ وَنَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا.‏ وَفَحَصْتَ وَفَتَّشْتَ وَسَأَلْتَ جَيِّدًا وَإِذَا الأَمْرُ صَحِيحٌ وَأَكِيدٌ، قَدْ عُمِلَ ذلِكَ الرِّجْسُ فِي وَسَطِكَ،‏ فَضَرْبًا تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ.‏ تَجْمَعُ كُلَّ أَمْتِعَتِهَا إِلَى وَسَطِ سَاحَتِهَا، وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ الْمَدِينَةَ وَكُلَّ أَمْتِعَتِهَا كَامِلَةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ، فَتَكُونُ تَلاُ إِلَى الأَبَدِ لاَ تُبْنَى بَعْدُ.‏ وَلاَ يَلْتَصِقْ بِيَدِكَ شَيْءٌ مِنَ الْمُحَرَّمِ، لِكَيْ يَرْجعَ الرَّبُّ مِنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ، وَيُعْطِيَكَ رَحْمَةً. يَرْحَمُكَ وَيُكَثِّرُكَ كَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ،‏ إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْفَظَ جَمِيعَ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، لِتَعْمَلَ الْحَقَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلهِكَ.‏) (تثنية 13 : 12 – 18).

و لكن دعنا لا ننسى أننا أيضا سنتحدث عن الديانة المنتشره فى الشرق الأوسط و هى الديانة الإسلامية و التى يرى أغلب جمهور فقهائها بقتل التارك لدينه , و إن ظهرت تفاسير مختلفه فى محاولة مستميتة لنفى هذه التهمة عن الديانة الإسلامية و لكن إتفاق التفاسير الإسلامية و النصوص القرآنية الواضحة تمحى هذه التفاسير الجديدة , و يتلخص حد الردّة فى الفقه الإسلامى فى ربط بعض الآيات ببعض الأحاديث و التى تبدأ بـ آية (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ‏)‏ ‏[‏سورة البقرة‏:‏ آية 256‏]‏ و آية (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) ]سورة يونس‏:‏ آية 99‏]‏ و ربطهما بالأحاديث الصحيحة الواردة فى أكثر من كتاب لتداول الأحاديث النبوية مثل حديث على إبن أبى طالب المشهور عن النبى (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلاَ تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللَّهِ‏) و هو ما رواه البخارى و مسلم و الترمذى و إبن ماجه أى انه حديث صحيح بكل المقاييس , و أيضا الحديث النبوى (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل‏) و هو ما رواه البخارى و مسلم و إبن ماجه أى أن الأحاديث صحيحة و متفق عليها من أغلب رواة الأحاديث , ثم نجد أن تفسير الآيات السابق ذكرها إتفق بين كل من القرطبى و إبن كثير و الطبرى و البغوى و التفسير الكبير و البحر المحيط على أنه لا يوجد تضارب بين الآيات و الأحاديث بل ذلك يوضّح أسلوب المعاملة مع المرتد عن الدين الإسلامى أنه لا يمكن الإكراه على الدخول فى الديانة الإسلامية لإنه شئ متعلق بالإقتناع الشخصى , بل يجب دعوة المرتد لمراجعة فكره و محاولة صدّه عن الخروج عن الدين و إن لم يقتنع فبذلك يقع عليه الحد و هو القتل لأنه كفر بعد إسلامه و ترك الحق و هو الدين الإسلامى بعد معرفته إياه , و لكن حتى كبار المفسرين إختلفو هل هذه الآيه متعلقة بأهل الكتاب فقط أم عامة لكل الناس , و هنا نجد آيتان توضحان الدلالة على ان هذا الكلام لكل الناس و هما (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف: 158) و الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ (سبأ: 28) , و أيضًا نجد الآيه الفاصلة فى التعميم و التى تقول (‏فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏)‏ (‏سورة التوبة‏:‏ آية 5‏) و التى إتفق فيها جمهور علماء التفسير أن الشرك بالله هنا هو عبادة الأوثان أو عبادة شئ أو شخص آخر , بينما الكفر هو الحالة العامة و التى يقع تحتها كل من المشرك و أهل الكتاب و الجاحدين لوجود الله حتى و إن لم يشركو معه , و بالتالى نجد أن حد الردة هنا متعلق بالكفر و ليس مقصورًا على الشرك فقط.

المصادر

http://st-takla.org/

http://www.islamweb.net/

http://en.wikisource.org/wiki/Universal_Declaration_of_Human_Rights

http://www.un.org/en/documents/udhr/