لا شك في أن رجال السير في الأردن وبشكل عام على سوية عالية من الأخلاق فكلهم من العوائل هاشميو الأخلاق، رفيعو التهذيب متعلمون وكلهم جامعيون ويقدرون المواقف التي يضعف فيها المواطن أمام مخالفة بسيطة يضطر لها فيرتكبها لقضاء حاجة ما. إلا أن شعور القوة والسلطة الذي يسلحهم به قانون وتعليمات جائرة تضعهم غصبا عنهم في مواجهة المواطن كالجلاد أمام المشنقة يضطر لأن يضع الحبل في عنق الضحية (السائق) ويسحب ذراع البساط المعدني من تحت رجليه ليسقط في فخ مخالفة مالية تطيح بأحلامه بوجبة من المشاوي أو طبق من الكنافة يسعد بها أولاده بعد يوم طويل من العمل والسياقة وتقلب ليلته إلى نكد لإضطراره لدفع مخالفة مالية ظلما واغتصابا وبقوة التعليمات لا قوة الحق.

لا بد أنكم جربتم الذهاب في سياراتكم إلى وسط البلد بعد الساعة التاسعة ليلا بعد إغلاق المحلات التجارية لأبوابها إلا من قلة من المطاعم والمقاهي والأكشاك التي تسهر طويلا، ولا بد أنكم مررتم بمعاناة الحصول على موقف لسيارتكم حيث تنتشر شواخص ممنوع الوقوف وبعضها يسمح الوقوف لخمسة عشر دقيقة فقط. أتحدى أي ضابط للمرور أن يقوم بالتجربة في سيارته الخاصة غير المعروفة لرقباء السير ويذهب لشراء صحن من الحمص أو الفول من مطعم هاشم، سفري وليس على الطاولة ويعود لسيارته في أقل من خمسة عشر دقيقة. فكيف وإذا سال لعابه واشتهى أن يقلد رؤساء الوزارة والأعيان ويجلس على طاولة بلا شرشف فهل تكفيه ربع الساعة لتنزيل الصحون على الطاولة والأكل والعودة إلى سيارته! لا أحد يستطيع الإدعاء أن الشواخص الموجودة هدفها ضبط السير في وسط البلد بعد الساعة التاسعة ليلا. ليس الهدف أبدا مصلحة المرور ولا مصالح التجار ولا الوطن ولا المواطن. إنها موجودة فقط لتكون مصائد للسائقين واستغلالهم واقتناص جيوبهم بل لإذلالهم وسلب الفرح من عيون أطفالهم وسلبهم رزق أولادهم وأقساط مدارسهم وجامعاتهم وتنكيد عيشهم وتضييق حياتهم.

ولست أفشي سرا أن أقول أنني شخصيا من أعوان المرور قد تعرضت لذات الموقف حين نزلت إلى وسط البلد لتناول عشاء من الحمص والفول بعد الساعة الثانية عشر من منتصف الليل ولما عدت لسيارتي وجدت المخالفة بحجم زجاج السيارة الأمامي فحملتها وذهبت لمديرية السير معترضا أن الوقت كان بعد منتصف الليل فأجابني المستشار القانوني أن القانون لا يحمي المغفلين أمثالي وعلي أن أدفع المخالفة فورا أو تتضاعف بعد شهر واحد بمعنى أنني إذا دفعت صاغرا ذليلا فسأدفع قيمة المخالفة، أما إذا تجرأت واعترضت فستتضاعف الغرامة المالية. هكذا يتم تربية المواطن الصالح. الويل لمن يعترض. وهكذا نعلمه الديموقراطية.

وعودا على موضوع الشواخص فمن الملاحظ أنها توضع في كل مكان بل أصبحت من أساسيات الشوارع كالرصيف والإسفلت فكل الشوارع حتى الفرعية منها ما بين الأحياء والبيوت ممنوع الوقوف فيها وليس الهدف تنظيمي وإنما كلما عنّ لإدارة المرور القيام بحملة تشليح للمواطنين هبت وبدأت بإصطياد السيارات وتعبئة دفاتر المخالفات. حتى في تحديد السرعات ولا أحد منا يؤيد السرعة ونعلم مشاكلها لكن كيف يمكن أن نفهم تحديد السرعة على الطرق الخارجية بستين كيلومترا في الساعة بعد شاخصة حددتها بثمانين كيلومترا فما أن تقلل السرعة حتى تصطادك كاميرات المرور بل إن المسافرين ما بين عمان وإربد يتندرون بأن جميع الكاميرات تضبطهم مخالفين بسرعة ثابتة هي 101 كيلومترا سواء كانوا يسيرون بسرعة أكبر أو أقل فالمهم هو الدفع والمهم هو إصطياد المواطنين وليس تنظيم السير أو الحد من الحوادث.

في كل دول العالم وحتى في كل العواصم، يتساهل رجال المرور بالسماح بالوقوف في شوارع وسط المدن ليلا حيث تنشط الحركة والسياحة، أما في الأردن فالمخالفات ليست لتنظيم المرور وإنما للتضييق على المواطنين والتجار والسياح، فمتى يأتينا من يرفق بنا؟ يا رب.

walidsboul@hotmail.com