بداية سألني صديق ليه عن سبب اختلافنا في البشرة و الصفات الجسدية رغم الأصل الواحد المنسوب لآدم و حواء و هرد عليه في المقال.

الموضوع أولا ينقسم لجزأين الأول ديني و الآخر علمي و النظرة لازم تكون لكل منهم على حدة ثم محاولة التوفيق بينهم فالأديان متعددة و كل دين له لغة و كل معتنق لدين يصدق بدون دليل أو جهد كبير ما ينص عليه دينه حتى ما يبدو منه منافيًا للعقل و أقرب للأسطورة و ينكر في نفس الجهد ما تنص عليه باقي الأديان بمعنى أن كل صاحب دين ينظر لمعجزات و خوارق الأديان الأخرى على إنها هراء و بالتبعية ينظر الآخر لدينه على أنه “هرتلة” .

المهم يا سيدي اللي أقصده بدون كلام كبير أن لغة العلم واحدة و أنه لا يعتمد إلا على الأدلة و البرهان النظري و العقلي و هنبدأ بالدين و نشوف بيقول أيه في قصة الخلق؟

الدين :

نبدأ بالترتيب الزمني التصاعدي للأديان فمنذ عشرات و مئات الآلاف من السنين كان هناك أسلوبين من التفكير :

التفكير العلمي Logos و الأسطوري Mythos التفكير العلمي العقلي يساعدهم في حياتهم الطبيعية على توفير المعاش و الترحال و خطط الحرب الخ…على الجانب الآخر لم ينظر هؤلاء للأسطورة على أنها شيء كاذب خيالي أو ملفق بل كانت تفسر بعد آخر للحياة… فلم يجدوا إجابات لأسئلة زي :
ليه كتب على الإنسان أنه يعيش حياة مليئة بالموت و الألم و العجز المرض و الشيخوخة و ما مصير الخيرين و الأشرار…
فتغلغل في كل الثقافات تقريبا أسطورة عن البشر أو أباء البشر الذين عاشوا في النعيم المقيم عند الإله و هو ما سموه في عديد من الثقافات ب “داو” “براهما” “النيرفانا” و سماه الفينيقيون “إل عليون” و سماه العرب “الله” و نظرا لارتكابهم خطأ فادحًا نزلوا إلى الأرض ليشقوا فيها و يكدوا لكن من يطيع تعاليم الإله و يقتدي العمل الصالح في حياته و يكون مستعدا للتخلص من الطمع و الأنانية فله الفرصة في العودة لذلك النعيم مرة أخرى.

ذكرت تلك القصة في معظم الأديان الشرقية و هي الأقرب في التأثير للأديان الثلاثة لقربها الجغرافي.

ففي “إنوما اليشEnuma Elish ” و هي ترنيمة قصة الخلق لبلاد ما بين النهرين و تنص على أن الآلهة خاصة “تيمات” نشأت من المادة المقدسة و هي مادة تشبه الوحل و قد خلق أول رجل بخلط دماء أحد الآلهة بحفنة من التراب.

و عند اليوبانشاد Upanishad ” الشرقيين أنه في البداية تم خلق شخص واحد لكنه ضحى وشق نفسه نصفين فتم خلق رجل و امرأة أنجبا كل ما في العالم”

في اليهودية و المسيحية : “كان يهوه قد شكل آدم من التراب “adama” ثم نفخ الحياة في ثقبي أنفه و أقامه حارسا على الجنة و كانت هناك شجرتين في الجنة شجرة الحياة و شجرة معرفة الخير و الشر و أفعى متكلمة لكن آدم شعر بالوحدة و من ثم انتزع يهوه فيما كان نائما أحد أضلاعه و صنع أنثي فشعر آدم بالفرح”

“هذه الآن عظم من عظامي و لحم من لحمي هذه امرأة Isha لأنها من امرئ Ish أخذت” “تكوين 2-23″ أسماها حواء أي واهبة الحياة.

تذكرنا القصة التوراتية بالطبع بالقصتين السابقتين عن الشخص الذي ينقسم إلى ذكر و أنثى و هي كأي أسطورة شرقية بتحترم نفسها فيها نفس العناصر الطين الذي شكل منه آدم تذكرنا ب”تيمات” أي أديم الأرض “adama” و عن شجرة الحياة و الأرض الخصبة و طميها كل هذا مفهوم لأن حضارات المنطقة اعتمدت على الزراعة في الطعام و قدسوا عناصرها المنبتة للحياة….هي إذن أسطورة فردوس مفقود شرقية نمطية..و هي سرد تخيلي لطفولة الجنس البشري فآدم و حواء في الرحم يخرجوا ليواجهوا متاعب الحياة و هم يمثلون أيضا حالات و صفات البشر كالرغبة في المعرفة وممانعتنا كآدم لتحمل أخطائنا و هكذا…و هي كغيرها مما سرد كتاب التوراة الأربعة خاصة J , E …

و J هو كاتب مجهول من المملكة الجنوبية “يهودا” سمي كذلك لأنه يدعي الإله ب “يهوه” أما الآخر فيدعي الإله باللقب الرسمي “إلوهيم” و عاش في مملكة إسرائيل الشمالية و دمجوا بعد ذلك في نص JEليكون أول مراحل العهد القديم “old testament” لكن قديما لم يكن في التوراة ما هو بالغ القداسة في ذلك و تعددت التفاسير و تم إعادة كتابة القصة مرارا و كان هناك حرية في إدخال تفاصيل جديدة…باختصار نظروا له كما ينظر القدماء للأسطورة و لروحها و قيمتها و قيمها و العظة المأخوذة منها و ليس لحرفيتها.

في الإسلام ذكر القرآن ما يتفق مع النص اليهودي في خلق الأرض في ستة أيام و في قصة الخروج من الجنة مع اختلاف صاحب الغواية و هو الشيطان و ليس الحية مع أن هناك تفاسير تتكلم عن تنكر الشيطان في هيئة حية لأن القرآن ذكر أن الشيطان كان مطرودا من الجنة و من رحمة الله فكيف يدخل إلى إليها ليوسوس إلى آدم.

كل ده بيأكد إنها نصوص أسطورية لكن مش معنى كده إنها نصوص خاطئة غير سماوية لكنها نصوص تحتاج إعادة تأويل لاستنباط العظة و العبرة منها.. وجهة نظري إننا لازم نفكر إيه الاستفادة من معرفة قصة آدم غير العبرة و تقويم سلوكنا مش معرفة حياة آدم كأنها نص تاريخي حرفي لا يعود علينا بالنفع.

العلم :

العلم يتفق مع الرواية المجازية لقصة الخلق لكن يصطدم بشدة مع النظرة الحرفية .
نظرية النشوء و التطور تنص على إن كل الكائنات قابلة للتطور من الأدنى إلى شكل معقد من الحياة عن طريق مبادئ ثلاث و هي باختصار :

الانتقاء الطبيعي : و يعني أن قدرة التطور تعتمد على تأقلم النوع مع البيئة و اكتساب صفات أفضل و المحافظة عليها زي “أسنان حادة و مقاومة للأمراض مثلا ”

الإرث الجيني : و يعني أن الجزء الأكبر من التطور يعتمد على الطفرة الجينية و هو خطأ في نسخ الكروموسومات أثناء التكاثر يأتي بصفة جديدة للنوع فتنشأ أجيال من النوع منفصلة عن الأجيال السابقة.

العزلة الجغرافية :معناه إن لازم يكون فيه عزل لجزء من النوع عشان يتطور بشكل مستقل.

طبعا بالنسبة للإنسان فقد تم اكتشاف كتير من الحلقات المفقودة في التطور زي “إنسان جافا” و “النياندرتال” و غيرهم كتير و هي تملك صفات بين الإنسان و القردة و بالنسبة للحيوانات فيه آلاف الدلائل المشيرة إلى حلقات مفقودة…

عموما كل الدوائر البحثية بتؤكد و تثبت أساس النظرية و كل العلوم الحديثة زي البيولوجي و الهندسة الوراثية و الأحياء التركيبية تقوم عليها و يؤمن بيها أكتر من مليون عالم و باحث في مجال الأحياء لكن ييجي محمد أو مينا أو إبرام و هو قاعد على كنبة بيتهم يقولك أصل النظرية غلط و هو مقرأش حرف عن أمها.

و الأدهى إن فكرة نشأة البشرية من فردين بس “آدم و حواء” مستحيلة لأن الأجيال اللي هتيجي هتكون مشابهة لهم في الصفات زي لون العينين و السمرة أو البياض و هكذا…

و بما إن البشر مختلفين فهنلاقي إن التفسير الوحيد لاختلاف البشر هو الطفرة الجينية في النسخ اللي ذكرته و هو أهم أسس التطور يعني لو تم الاعتراف بالتفسير ده من رافضي النظرية فهم في نفس الوقت هيكونوا بيعترفوا ضمنيا بوجود التطور.

تم مهاجمة النظرية من الأصوليين البروتستانت في الغرب و أنشئوا ما يعرف باسم “علم الخلق” ردا على النظرية و طالبوا بعدم تدريسها للطلاب رغم إن مع استمرار ظهور الأدلة المثبتة قام بابا الفاتيكان قبل السابق “يوحنا بولس الثاني” للاعتراف بصحة النظرية مؤكدا عدم تعارضها بالكامل مع النظرية و إمكانية فهم نصوص الإنجيل بشكل مجازي…عموما أنا مبتكلمش عن مسلمين أو مسيحيي الشرق لأنهم في مجتمعات متخلفة علميا فعادة مش هتلاقي كتير بيناقشوا النظرية أصلا.

المغزى من المقال ده مش مناقشة غير مجدية عن وجود أو عدم وجود لكن للتأكيد على إن النظرة للدين أبدا لا تكون حرفية و كتب الدين مش كتب تاريخ تذكر وقائع حصلت بالظبط مش هتفيدنا بحاجة لكنها كتب للعبرة و العظة و تقويم حياة الإنسان و علاقته بربه….غير كده هنكون إما ملحدين أو أصوليين مؤمنين بشكل ساذج أصم أعمى.

المصادر :
“عن التطور”
بحوث مجلة Prospects of science
بحوث منظمة العلوم الأمريكية Science And Creationism

كتاب “الله لماذا”…كارن أرمسترونج
“مرجع تاريخ الفلسفة الدينية “…ويل ديورانت
العهد القديم “التوراة”

كل النقل عن المصادر بتصرف