مـاذا فـعــل الاسـتـبــداد فـي عــقــول الـعــبـاد..؟؟
مقدمة لابد منها :ــ
سبب كتابة هذا المقال حوار دار بيني وبين أحد الأصدقاء على صفحات الفيس بوك بسبب ما يجرى الآن في تركيا ، أذكر لحضارتكم عينة بسيطة من الحوار وأتبعها بالتعليق والتحليل ::
الـحـــــــــــــــــــــــوار
 نقطة البداية:ــ حين نشر صديقي صورة أردوغان ومكتوب بجوارها هاتين العبارتين (أردوجان: ليس لدي ما أقوله للذين يصفون خادم الشعب بأنه ديكتاتور)
           (أردوجان : لن نطلب إذنا في مشاريع (الدولة) من بضعة لصوص)
بدأت الرد بتعقيب بسيط ، لم أكن أتوقع أن الحوار سيصل لهذا الحد
فكتبت ــ أن أردوغان يتعلم من المصريين كيف يواجه الثوار حين يتهم الثوار باللصوص
فردّ صديقي ــ اردوجان:”عندما يطلقون على شخص هو خادم للشعب أنه ديكتاتور ، فليس لدي ما أقوله
كتبت ــ هناك فرق كبير جدا بين مفهومنا هنا في مصر والوطن العربي لمعنى خادم الشعب ومعنى الديكتاتورية أيضا ، نحن نهلل ونطبل لأي مسئول أو موظف في الدولة حين يقوم بربع واجبات ومهام وظيفته………. أما في تركيا واوروبا وامريكا المواطن يرى أن المسئول أو الموظف لا يجب ان يُقصر في أقل القليل من واجبات عمله ووظيفته ، و المواطن هناك لا يقبل أبدا أي نوع من الوصاية عليه فمجرد أن مسئول سياسي يحاول فرض أي شيء عليه يصبح في نظره ديكتاتور.
رد صديقي ــ أردوجان لن نطلب إذنا في مشاريع (الدولة) من “بضعة لصوص”
كتبت ــ أردوغان بالنسبة لنا أسطورة وشخص خيالي لكن بالنسبة لهم شخص عادى وأقل من العادي وطبيعي جدا انه يعمل ويجتهد ليحقق الامن والعدالة لكل فرد في المجتمع ، انت تراه هنا شيء مستحيل يتكرر لكن هناك هو شخص ناجح لكنه عادي واقل من العادي ولو فرضنا أن كل من خرجوا ضده لصوص في تركيا هل تركيا فيها كل هذا العدد من اللصوص .؟
رد صديقي ــ انت معرفتش ان المتظاهرين قاموا بإضرام النيران والقيام بأعمال سلب ونهب.ولا ماشفتهاش دي
ولا الناس دي اشرف من انها تعمل كده ومعصومه من الخطا ولا ايه
رجب اردوغان اسطوره بالنسبه لاي حد في العالم مش لينا احنا بس يا استاذ ؟
الجميع ينظر إلى نهضة تركيا الإسلامية وزعيمها الإسلامي وتاريخها الإسلامي فيرتعب ويرتبك ويعيد حساباته ألف مرة ، ويعتذر عما بدر منه من أخطاء في اي شان يخصها.
كتبت ــ بص سيبك من كمية الاسلامية اللى في كلامك عن تركيا دي الله يخليك تركيا دولة علمانية سواء انت وافقت . لم افقت انت حر طبعا وبلاش حكاية الارتباك دي برضه لأن فيه دول كبرى تتحكم في السياسات الكبرى في العالم وتفرض سلطانها على العالم  كله……….. سؤالي الأخير .. احنا بلاد اسلامية ليه فشلنا هذا الفشل اللى كل يوم بيزيد رغم اننا العالم العربي يعني بلاد اسلامية .؟
رد صديقي ــ قريب ياباشا ان شاء الله ماتستعجلش خليك متفائل وقول يارب . انت يزعلك في حاجه ان نهضتها تكون اسلاميه ولا زعيمها اسلامي مش فاهم
كتبت ــ بلاش تدخل لى من السكة دي علشان عيب …….. فيه فرق كبير بين إني اكون زعلان ان دولة اسلامية لها حضارة عريقة ومتقدمة وبين إني اقول واقع وحقيقة دولة علمانية  وليست إسلامية
رد صديقي ــ انا كلامي كان واضح يا استاذ بقولك زعيم اسلامي وتاريخ اسلامي مجبتش سيره الدولو ايه دلوقتي وبعدين ياعم رضا زعيم اسلامي حقق نهضه في دوله علمانية. انا ماقصدش اي حاجه ده سياق حوار عادي ولا اعرف ايي سكك انا برد عليك بس
كتبت ــ لما تقول لأي حد وانت بتكلمه هو يزعلك في حاجه ان نهضتها تكون اسلاميه ولا زعيمها اسلامي  ، وتختم كلامك (مش فاهم) انا شخصيا بعتبر ان دا لا يليق طبعا انا حر ………….. راجع كلامك عن تركيا كده هاتلاقي نفسك كتبت عنها انها مرة اسلامية ونهضتها ومرة علمانية.
رد صديقي ــ علي كده انت عارف توجهات المتظاهرين الاتراك وضامنهم وواثق في حسن نواياهم .اردوغان العالم كله عارفه طيب وشوية المتظاهرين دول ايه ظروفهم
انا ما قلتش انا بقولك اردوغان في خطابه هو اللي قال كده وكاتب قبلها اردوغان
كتبت ـــ ماشي انت نقلت كلامه يعني مصدقه انا عارف انك كاتب قبلها ادروغان
رد صديقي ــ واكدبه ليه .ههههههههههههه
وأكتفي بهذا القدر بعد رد صديقي بــ (واكدبه ليه)
الـتـعـلـيــق
حرصا على مشاعر صديقي من أعــدقاء السوء لابد من توضيح بسيط قبل البدء في التعليق ، حين أخصص مقالا كاملا لمناقشة أسباب انتشار وسيطرة مثل هذه الظاهرة على العقول ، فلا يمكن أبدا يكون المقصد والغرض منها تشويه صورة شخص بعينه ، وإنما الغرض منها إظهار حقائق تاريخية وظواهر مجتمعية حقيقية ، موجودة فعلا عند معظم المصريين والعرب ، ويجب إلقاء الضوء على هذه الظواهر الخطيرة التي لو لم تعالج وتختفي من عالمنا بأن نقضى عليها ونغيرها فلا أمل لإصلاح مصر وإصلاح عالمنا العربي ، لأنه من وجهة نظري الإصلاح الفكري هو بداية الإصلاح في أي دولة تفكر في الإصلاح والبناء.
بداية لابد أن نوضح ونبين أن الاستبداد على نوعين : استبداد فكري (ديني ـ علمي ـ ثقافي ـ معرفي) ، واستبداد سياسي (سلطوي) ، وأعتقد أن كلاهما يستمد قوته وحضوره ووجوده من الأخر حسب وجهة نظري وتقديري ورؤيتي ، لأن الاستبداد السياسي لا يستمر ولا يدوم ولا يحيا ولن يُكتب له البقاء في أي مجتمع إلا من خلال ترسيخ ثقافة الاستبداد الفكري وخلق شعب أسير لمجموعة من الأفكار والأشخاص ، واعتبار التفكير جريمة يعاقب عليها الدين قبل القانون حتي يتم تقديس ما يقوله أنصار هذا الاستبداد حتى لو قالوا على حاكم فاسد وظالم أنه أب لكل المواطنين ، فلا يمكن لأحد أن يناقش أو يعترض بل يقر ويعترف ويصمت ويوافق الجميع أن هذا الحاكم الفاسد الظالم لا يجوز الخروج عليه وهو فعلا أب لكل المواطنين لأن أحد شيوخ السلطان قرر هذا ، وكذلك الأمر فإن الاستبداد الفكري العلمي الثقافي المعرفي لا يوجد و لا يعيش أبدا إلا في ظل حكم سياسي مستبد أيضا لأن كلاهما لا يقبل النقد أو الأخذ والرد وكلاهما ينتفض غضبا من المعارضة فلو حدث وظهرت أي بؤرة معارضة حسب نظرتهم ، فسريعا سيتعاون أنصار الاستبداد الفكري مع أنصار الاستبداد السياسي للقضاء على المعارضة وعلى كل من تسول له نفسه ارتكاب جريمة التفكير في المجتمع والأمثلة كثيرة ، فيسير ويعيش في ظلهما واستبدادهما معظم الشعب مثل القطيع لا يمكن لأحدهم الخروج عن النص أو التغريد خارج السرب ، فسيلقى مصيرا مظلما مجهولا بوضعه في غياهب السجون تارة ، وقد يتطور الأمر بتصفيته جسديا بعد أن يقوم دعاة هذا الاستبداد والجمود الفكري بسبه وقذفه وتشويه صورته واتهامه في شرفه وعرضه ، ثم اتهامه بالردة ومخالفة الدين والإفتاء بقتله ــ والأمثلة كثيرة أيضا ــ خوفا من أن يتسلل فكره ونور عقله وضياء كلماته إلى العقول فيحدث ما لا يحمد عقباه بأن تتحول ثلة من المواطنين إلى مفكرين مستنيرين ، وهذا ما يخيف ويرعب الطغاة والمستبدين من النوعين.
 حدث كل هذا بعد قرون طويلة من توارث ونشر الجمود الفكري وتقديس التراث والأشخاص ، ثم عقود أخرى من الفساد السياسي والاستبداد وفساد التعليم وجميع وسائل الإعلام التي تشكل الوعي العام وتبني الثقافة العامة عند المصريين أو في عالمنا العربي ، فقد تأثرنا تأثرا لا مثيل له بهذا الجمود الفكري الذي توارثناه وقدسناه جيلا بعد جيل ، دون أن يقرأ معظمنا إحدى صفحاته ، وتأثرنا بهذا الاستبداد والفساد الذي نعيش فيه بين مطرقة الفساد والاستبداد السياسي وسندان الجمود والاستبداد الديني والفكري والعلمي والثقافي.
فنشأت عشرات الأجيال مشوهة العقول هزيلة الفكر والثقافة مدمنة للتبعية دون أن تدري غارقة في الرجعية ، أجيال متخندقة في قالب ومنهج لا تجرؤ الخروج عنه أو الاعتراض عليه أو مناقشته خوفا من الوقوع في جريمة التفكير ، والأمثلة على هذا  كثيرة منها طريقة التعليم والمناهج المحددة كل عام بداية من المراحل التعليمية الأساسية ، وانتهاء بالمراحل الجامعية التي يفترض أن يتحول فيها المتعلم إلى باحث حقيقي متخصص في مجال ما ، ولكن أيضا يظل أسيرا لمنهج ثابت لا يجوز الخروج عليه ، حتى لو فكر في عمل دراسات عليا فغالبا ما يطلب منه أستاذه المشرف ألا يتعدى حدودا معينة في البحث بدون إذنه ، وأذكر أننا في الامتحانات الثانوية والجامعية كنّا نرفع أصواتنا بالشكوى حين نجد سؤالا في أي مادة خارج الكتاب المدرسي أو الجامعي ، ونطالب بحضور مدرس المادة أو أستاذ المادة ، وفي ظل هذه الحياة التي تحوطها من جميع الجوانب المحاذير والمتاريس والعقبات التي تمنع وتعوق التفكير وفي ظل هذا المناخ الذي يعتبر التفكير حرام وخروج عن الدين و القانون بحيث أصبحت في محاكم مصر قضايا ومحاكمات لمن يفكرون ويكتبون كلاما على ورق وسلاحهم الوحيد هو القلم والكلمة وسميت هذه القضايا والمحاكمات بقضايا الرأي أو ازدراء الدين أو تعكير السلم العام أو قلب نظام الحكم أو إهانة الرئيس أو إهانة س أو ص من الشخصيات المقدسة في التاريخ والتراث ، كل هذا الهزل التاريخي والسياسي صنع عقولا وهنة واهية تعاني من العجز والخوف معا تعاني من العجز عن التفكير الذي اختلط بالجينات الوراثية مع الخوف ، وتم بناء العديد من الأسوار العالية حول هذه العقول جعلتها تمتنع وترفض تماما أن تفكر في أي شيء مهما كان تافها وخياليا ومقززا وسفيها ومناقضا للعقل والمنطق والإنسانية ، وهنا لا مجال أبدا للحديث عن الإبداع ، لأنه مرحلة متقدمة في التفكير لن يصل إليها إلا قلة قليلة من المغامرين الذين يصرون على كسر الحواجز ، رغم أن العامة والقطاع العريض من المواطنين يرفضون الخروج عن النسق أو السياق المحدد المرسوم داخل الدولة فإذا كان التفكير حرام وجريمة يحاكم صاحبها فلا أتصور أنه سيكون هناك أدنى وجود للإبداع وسط هذا القطاع ، فتشبعت هذه الأجيال بثقافة التبعية العمياء وزاد الطين بلة أسلوب التعليم نفسه وطرق التدريس التي تعتمد في الأساس على التلقين من طرف والاستماع من طرف ، فشاخت العقول في عز شبابها ، أو بتعبير ومعنى أخر أكثر دقة ظلّت العقول في مراحلها الطفولية في التفكير أي توقفت وهي ما أطلق عليه بعض المفكرين في عصرنا (الطفولة الفكرية) وهو من وجهة نظري تعبير رائع ودقيق وعميق لأنه يستحيل أبدا أن نطلب من إنسان يعيش بعقل طفل أن يفكر بطريقة طبيعية سوية ولا يمكن أن ننتظر منه أن يكون له رأي أو فكر ، رغم أن بعض الأطفال أحيانا يكون لهم رأي وفكر صحيح وسليم في بعض الأمور ، وأعتقد أن السبب في هذا أن عقولهم لم تلوث ولم يتغلل أو يصل لتلافيفها ما تجرعته هذه الأجيال عبر عقود طويلة.
 أقول لصديقي وكل من يفكر بطريقته ثم أسئلهم ..
 يا سادة يا كرام لا يمكن لأي مسئول سياسي في أي دولة أوروبية أو أي دولة متقدمة مثل تركيا أن يحقق مثل هذه النجاحات منفردا فهو فرد ضمن فريق عمل أو مجموعة عمل متكاملة ، هم يؤمنون بأسلوب ونهج فريق العمل في النجاح ونحن لا زلنا نتخبط  ونتسابق في ظلمات تقديس الأشخاص وصناعة المستبد الجديد (في السياسة والفكر والدين) والديكتاتور والشخصية الخارقة ، هم يرون أن ما فعله أردوغان شيء عادي جدا وطبيعي جدا وواجب تحتمه عليه مهام وظيفته ونحن ننظر لما فعله أردوغان على أنه وهـم وأسطورة وخيال ومستحيل ولذلك ندافع عن أردوغان عن بُعد ونسانده في موقفه ضد شعبه عن بُعد أيضا شعبه الذي ثار عليه ، لأننا نعيش على هامش الحياة والتاريخ وبعضنا صدّق ان من خرجوا ضد أردوغان في تركيا لصوص لأن أردوغان وصفهم بأنهم لصوص يريدون تخريب الدولة فيجب ان نصدق أردوغان لأنه مسئول اسلامي صاحب مشروع نهضة إسلامي ، إلى هذه الدرجة ثقافتنا وميراثنا الفكري ضغط على عقولنا وأوقفها عن التفكير وعدم قبول فكرة أن يتحول شخص مقبول إلى شخص مرفوض ، في النهاية فالحكم في هذا كله مرجعه للشعب التركي وحده ، الأغرب أن أردوغان ليس في بلادنا وندافع عنه هل نحن أكثر حرصا على تركيا من الأتراك الذين خرجوا في شوارع تركيا ..؟
هل حضراتكم أكثر خوفا على مصالح هؤلاء وأكثر حرصا على حياتهم ومستقبلهم.؟
هل انتم أكثر علما ومعرفة ودراية بأردوغان من هذا القطاع الغير قليل من الشعب التركي الذي ثار عليه لدرجة أنكم ترفضون ثورتهم عليه .؟ ، لأنه مسئول إسلامي وصاحب مشروع نهضة إسلامي ، أم أن انكم تخافون أن يسقط أردوغان الأسطورة في تركيا بعد كل منا فعله وما لا ننكره ، فيسقط الاخوان صرعى في مصر غير مأسوف عليهم.؟
أخيرا:: أكرر أن مقاييس ومعنى الحرية والديكتاتورية في تركيا تختلف تماما عن نظرتنا نحن للحرية والديكتاتورية هذا هو مربط الفرس لأن الشعب التركي نجح في إحداث التوازن بين ماضيه وتاريخه الطويل وبين طموحه ورؤيته للحاضر والمستقبل ولا أتصور أبدا أن هذا الشعب سيسمح لأي قائد مهما كان ومهما حقق من نجاحات أن يرجع بتركيا أبدا إلى الوراء لتكون تابعة للعربان أو قريبة منهم ثقافيا وفكريا ، أعتقد أن المواطن التركي لن يسمح أبدا بعد كل هذه الحريات والانفتاح على العالم بأن يصبح
 في نفس الكفة مع هؤلاء العربان وما يؤمنون به من ثقافة بول البعير ورضاعة الكبير ، فهذا هو مربط الفرس الذي ثار بسببه ومن اجله الشعب التركي ، ولا يمكن أن يثور كل هذا العدد بسبب حديقة كما قالت وسائل الإعلام العربية.