كثيراً ما نسمع عن موقف أتاتورك من العرب لكن لا نفهمه ربما لأنه يختلط بمعلومات غير دقيقة أو معلومات مبالغ فيها دون النظر إلى جذور الأمر كيف بدأ، وماذا حدث؟ ثم ماذا عن تركيا كبلد.. هل صاغه أتاتورك تجاه العرب ثم ورثت الدولة هذا الأمر؟ أم الأمر غير ذلك؟ في هذا المقال أحاول تقديم أتاتورك كرئيس للدولة وكشخص من البداية للنهاية ثم ربما بعدها يكون لدينا تصور عام عن المسألة بشكل أعمق من العبارات العامة..

..

أتاتورك و العرب قبل الجيش:

نشأ كمال أتاتورك في سالونيك بالدولة العثمانية (اليونان الآن) في حي الأتراك المسلمين بالمدينة المقسمة بين يهود يشكلون نصفها و مسلمين و مسيحيين يشكلون النصف الآخر ، وجد بينهم يونانيين و أرمن و كل الاعراق إلا العرب فلم يكونوا هناك ، نشأة كمال أتاتورك لم تعطه فكرة أو تصور عن العرب إلا مما درس عن ظهور الإسلام في صباه فقط لبضعة شهور فالحاجز الأول بينه و بين العرب كمن في طبيعة الدولة التركية الامبراطورية التي إعتربت العرب عرق خاضع لها كالأرمن و اليونانيين و الكرد بغض النظر عن وحدة الدين في الغالبية فالعرب مجموعة متمردة أخضعها الأتراك منذ عقود و قليلا ما خالطوهم في أراضي تركيا أو أوروبا ، نشاة كمال أتاتوك حذفت منه الرؤية العربية تماماً فلا يعرف منها إلا الأبجدية العربية الفارسية التي يكتب بها فقط و قليل من القرآن و الدراسة التاريخية ، كون هذا الأمر حاجز بين معرفة أتاتورك قبل دخوله المدرسة العسكرية و هو بعد صبي و أي شئ عن العرب أو التعامل مع عربي ما كما عامل غيره من اليهود و الرهبان الفرنسيين و غيرهم.


أتاتورك و العرب بالشام:
كانت أولى خطوات تعارف أتاتورك و العرب سلبية إذ تعرض للنفي من تركيا للشام كعقاب على تورطه في عمل سياسي مناهض للسلطان المستبد عد الحميد الثاني ، كانت الشام أسوأ تجربة للتعرف على العرب يمكن تخيلها فأتاتورك ضابط صغير يذهب لبلاد فقيرة مليئة بالفساد من الطرفين العربي  و الضباط ، سوء الاحوال و تفشي الامراض و الفساد المالي و الجهل كانا أول صوة كونها اتاتورك عن العرب و فاقم الأمر ان وجد نفسه منخرط في عمليات (مقاومة) ضد ثورة الدروز ليجد الجيش العثماني الفاسد ماليا يحرق ممتلكات الدروز و قراهم و ينهب من ممتلكاتهم ، التعارف الول بين أتاتورك و العرب كان أكثر من سلبي فوجه إستانبول المشرق و ذكريات سالونيك البهيجة لم تكن في محل مقارنة مع جحيم الشام عام 1906 حينما ذهب هناك فبداية التواصل مع العرب أكدت الصورة المسبقة الحقيقية عن كونها بلاد مضطربة تتميز بالجهل و الفقر و الفساد الإداري.

أتاتورك و العرب بليبيا:
عاد أتاتورك لاحقاً للشام و تكرر الأمر مثبتاً الواقع لديه لكن الموقف الثاني كان كارثياً ، مع الغزو الإيطالي لليبيا 1911 تطوع عدد من الضباط الأتراك (للجهاد) هناك إعتبارها جزء من الخلافة ، حين ذهب أتاتورك لليبيا كان غاضباً ففي رأيه ليبيا لا قيمة لها و بعيدة بينما الخطر الحقيقي على الارض العثمانية الغالية بأوروبا المهددة و منها سالونيك نفها ، عندما ذهب لم يجد وسيلة مواصلات لليبيا بحرياً لعدم وجود أسطول عثماني حقيقي و إقتصاره على طراد واحد فقط يسمى الحميدية ، عبر الطريق البري مر بمصر و فوجئ بأن إنجلترا تعلن مصر محايدة فتضاعف الغضب فبلد من الخلافة يعلن نفسه محايد و يمنع مرور ضباط الخلافة لبلد آخر تابع للخلافة محتل ، وصل إلى ليبيا بمعجزة ليفاجأ بواقع مزري فليبيا مشتتة القوة بين قبائل تتربح من الحرب و ترتزق منها لا تحب الأتراك و لا تعرف شئ عن العسكرة ، وجد ليبيا محل عرض أكثر من كونها محل صدام و مع هذا أدى دوره بكفاءة بالذات في معركة درنة التي قادها و إنتصر بها و معركة طبرق حيث أصيب ليعرف لاحقاً بالخبر الكارثي بإعلان تحالف البلقان الحرب و السيطرة على كامل ممتلكات الدولة العثمانية بأوروبا و على رأسها سالونيك ، كانت يبيا ثاني محل للتشابك العربي مع اتاتورك و كانت بشعة ممتلئة بالممتاعب منعدمة الفائدة و المظهر القبائلي الفاسد مالياً و الضياع العسكري فلم تكن مصر و ليبيا أفضل من الشام لديه و تسببت ليبيا في رأيه في ضياع الأراضي الأوروبية الهامة للعثمانيين.

أتاتورك و العرب بالحرب الكبرى:
عملياً كانت الحرب العالمية الأولى أفضل سجل عسكري لأتاتورك بين الدردنيل و القوقاز لكن حينما نتكلم عن المناطق العربية فهي كالمعتاد كارثة ، مع توليه قيادة الجيش السابع المنشأ حديثاً عام 1917 إتمر شهرين ثم غادر غاضباً لخلافات مع القيادة بالفيلق الالماني النمساوي بخلاف مشكلاته مع انور بك وزير الحربية التركي ، عاد اتاتورك من جديد للمنطقة عام 1918 قائداً لجيش تركي إفتراضي على الورق فقط هو نفسه الجيش السابع في نهايات الحرب مع وضوح الهزيمة ليكون دوره عملياً تحمل مسئوليتها فقط ، كان العرب هنا متحالفين مع الانجليز علناً و يقاتلون الأتراك معهم بل بضراوة أشد و نضرب مثال بقتلى الاتراك في الأردن حالياص و الشام لدرجة كون العرب هم من دخل دمشق ثم دخلها الانجليز فكان العربي بسلاح غنجليزي قاتل للجيش التركي العثماني من العقبة الى دمشق الى حلب و حتى جنوب تركيا مما صنع صورة قذرة للعربي في ذهن أتاتورك و ضباط الجيش ، جاءت الهزيمة و إنسحاب كل جيوش الدولة من الشام لتكون آخر ما يراه أتاتورك من العرب قوات تركية تفر من الموت الانجليزي بالجو و العربي بالأرض لدرجة محاولة أنصار القوة العربية قتل أتاتورك بحلب أثناء الانسحاب و نجاته بمعجزة ، مثل العرب بالحرب له نقطة سوداء بملفه و كارثة على الدولة سياسياً و عسكرياً و صنعت معه و مع غيره صورة للعربي كخائن قذر يكره الأتراك و لم تتغير هذه الصورة أبدً في ذهنه لتستمر ملامح العربي من سئ لأسوأ..

أتاتورك الرئيس و العرب:
مع تولي أتاتورك الرئاسة رسم خط العلاقات مع العرب فتركيا بلد سلمي و لا يقاطع احد بل يحرص على العلاقات السلمية الودية مع الجيران و العالم بخلاف انه لن يتواصل معه ثقافياً و لن ينخرط بمشكلاتهم أو أن يعتبر نفسه وصي على احد فبخلاف كونهم خانوا الأتراك فهم لا يرحبون بالمرة بأي نفوذ تركي ببلادهم العربية ، كانت مشكلات اتاتورك كرئيس مع العرب هي الحدود الجنوبية بالاسكندرونة مع سوريا و الموصل بالعراق و خلاف هذا لم يوجد فنجح جزئياً في ضم الاسكندرونة بينما كلفه تمرد سعيد بيران الموصل لتبقى ضمن مملكة العراق ، كان اتاتورك سريع الموافقة على العلاقات العربية فأقام منذ 1926 صلات مع آل سعود رسمياً قبل حتى إشهار المملكة بالثلاثينيات و عقد علاقات ديبلوماسية مع الأردن و العراق الهاشميين ، لم تكن سياسة أتاتورك العداء للعرب بل تجنب التورط معهم و العلاقات الودية ضمن سياسة سلام بالعالم و سلام بالوطن ، يمكننا القول انه حتى نجح في عدم الخلط بين الشخصي و الوطني حين إتقبل ملكي الأردن و العراق اللذان كانا أعداء بلده بالحرب الكبرى و حرص احدهما (فيصل) على محاولة قتله بحلب ، كرئيس جنب أتاتورك تركيا التورط بمشكلات مع العرب و الخوض بسياساتهم لكن حرص على العلاقات الرسمية و التجارية معهم ، تميزت سياسة أتاتورك مع العرب بإعلاء المصلحة التركية فقط بغض النظر عن الضرر للجانب العربي و تجنب أي صدام مسلح معهم و الاكتفاء بالتفاوض عمليا مع فرنسا بالشام في أضيق الحدود مع العرب ، بمكننا القول ان العرب لم يكونوا على قائمة إهتمامات اتاتورك لكنهم أيضاً لم يكونوا محل عداء منه كرئيس.

أتاتورك المثقف و العرب:
كونت ثقافة أتاتورك جزء أساسي من موقفه من العرب فهو در الفرنسية مع رهبان فرنسيين بسالونيك و قرأت الثقافة الفرنسية و إختلط بشعوب غربية منبهراً بحجم التقدم الهائل بأوروبا مقارنة بإنعدام أي شئ ثقافي أو متطور بالمشرق ، مع العلمنة الثانية لتركيا بعهد أتاتورك كانت أوروبا محور الاهتمام الاتاتوركي بينما العرب في نظره امة محتلة من الغرب لا يوجد بها إلا جهل مختلط بصراع سياسي محلي فقط و كانت الثقافة الشخصية و المقومات الحضارية الأوروبية الحديثة كقيلة بأن يفصل تركيا نهائياً عن العرب فهو كمثقف و قارئ يعرف ان بلاده بوضعها المتأخر لن تربح شئ من العرب إلا ضجيج خول الماضي منذ قرون أما اوروبا فهي مفتاح العلوم و المعرفة كلها فالمثقف اتاتورك أراد أوروبا و رفض العرب و ترجم هذا بتغيير الابجدية العربية في تفعيل مقترح يعود للقرن التاسع عشر و ربط البلاد التركية في التنوير و المعرفة العلمية و الثقافية بأوروبا دون أي إقتراب من الجانب الشرقي تراثاً او رؤية أو العربي بالذات مع الحرص على ان تكون النماذج الاوروبية الحديثة كفرنسا سياسيا و ثقافيا محور إهتمام البلاد و دعايتها دون أي نظر للماضي الذي بات اليوم وقتها مجرد لمات قديمة امام واقع مريع ، لعب أتاتورك المثقف دوراً في صياغة غربية حديثة لتركيا وسط بحر الجهل العربي و الشرقي الذي كان عظيم الأثر في المزيد من الابتعاد التركي عن العرب كأمة متخلفة في مقابل امة تركية تعيد بناء نفسها و أيضاً قام أتاتورك بتحميل العرب مسئولية الكثير من العادات و منها إزدراء المرأة و الفصل بينها و بين الرجل فهو إعتبرها رؤية عربية إلتقطها العثانيون و حمل العرب مسئوليته كذلك القومية العربية و التعريب إعتبره أتاتورك سلوك عربي يممثل جوهر الاسلام في تعريب الأمم الأخرى مما أضر بهوية الأتراك.

رجال حول أتاتورك:
لعبت المجموعة التركية الحاكمة حول كمال اتاتورك دور في قيادة البلاد للمزيد من الانفصال عن الجانب العربي ، مثلاً عصمت إينونو رجل اتاتورك القوي و خليفته كان يمقت العرب منذ ما حدث باليمن و ثورتهم على الأتراك بل و نجاته من الموت بشق الأنفس و هذا إنعكس على تقييم سلبي جداً تجاههم ، مصطفى فوزي كان قائداً للجيش طيلة حكم اتاتورك و جزء من إينونو هو الاخر كان له رأي لبي حول العرب بحكم ما تعرض له بالشام منهم بالذات عام 1917 أثناء قيادته الجيش السابع قبل مجئ أتاتورك لاحقاً و خسارته القدس نفسها و كان لهذا دور بارز ، كثيرين أخرين كانوا يشاركون اتاتورك المشكلة مع العرب إما لأسباب ثقافية أو سياسية فالعرب لم يلعبوا فقط دور سلبي مع أتاتورك بل مع كل رجاله و بالذات ضباط الجيش منهم  ، المجموعة التي احاطت أتاتورك كانت مجموعة اوروبية المولد أو الجذور غربية التعليم و التوجه الثقافي و لم تكن في وضع يجعلها تنظر للعرب عملياً أن توجه الرئيس لأي وجهة شرقية ، يمكننا القول ان التحديث مع نجاحه و تحقيق تقدم إقتصادي و زراعي و صناعي هائل بتركيا في توجهها الجديد حثهم على المزيد من التشدد في التوجه الثقافي و السياسي الغربي بعيداً عن العرب الذين عبر عقد و نصف لم يحققوا شئ يذكر وحتى الدول المستقلة منهم إما تمادت في الرجعية كالسعودية او مستمرة في كونها مستعمرة غربية بدون أي تطور ممكن كمصر مثلاً ، فالح رفقي و غيره من الصحفيين الاتراك و فتحي اوكيار و غيره من سياسيي حزب الشعب و إينونو و فوزي من العسكريين كانوا رجال حول اتاتورك وافقوا التوجه الجديد و دعموه.
..
في النهاية:
لعبت نشأة كمال اتاتورك و الفصل العرقي بين العرب و الاتراك و تاريخ الحرب العالمية الأولى دوراً كاملاً في صياغة موقف الجمهورية التركية من العرب عبر الحرص على إمتلاك أراضي ربما تكون عربية بسكانها دون النظر لحقوق تلك البلاد و العلاقات الديبلوماسية الكاملة دون الانخراط في مشكلات الشرق و الانفصال الثقافي عن الشرق بإعتباره أرض ميتة و الارتباط بالحداثة الوروبية و العلوم الغربية ، لم يكن الأمر له أسباب دينية او غيرها كما يردد لكن وليد تراكمات عبر قرون من الصراع العربي-الأعجمي غن جاز التعبير ترجم لاحقاً لقوميات متعددة واحدة بتركيا تنظر للغرب و اخرى ببلاد العرب تنظر للماضي..