باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(1)

لماذا يحب الرجال الشقراوات المتفجرات (ولماذا تريد النساء أن يبدون مثلهن)؟

باربي، المثال الافتراضي للجمال الأنثوي

ثمة معتقد شائع لدى علماء الاجتماع والجمهور العادي سوية، أن وسائل الإعلام تفرض صوراً تعسفية للجمال الأنثوي المثالي على الفتيات والنساء في مجتمعنا، وتجبرهم على التطلع إلى هذه المعايير المصطنعة والتعسفية. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.

وفقا لهذا الزعم، فالفتيات والنساء يردن أن يبدون وكأنهن عارضات فائقات أو ممثلات أو رموز بوب لأنهن يقصفن بشدة بصور لهاتيك النساء. ضمنياً، ووفقاً لهذه النظرة، فإن الفتيات والنساء يتوقفن عن إرادة الظهور مثلهن فيما لو توقفت وسائل الإعلام عن إغراقهن بمثل هذه الصور، أو قامت بتغيير المعايير التعسفية لجمال الأنثى. وقد تعزز هذا الرأي، ضمن أشياء أخرى، على يد العارضة السابقة – المتحولة لناشطة اجتماعية نسوية – “جان كيلبورن” في سلسلة أفلامها الوثائقية “قَتْلُنا بهدوء“.

كما يبدو، فإن كيلبورن وغيرها من النسويات يعتقدن بأن الفتيات والنساء هن آليات بلا عقول، قد يفعلن ويعتقدن بأي شيء يقوله لهن وكلاء الدعاية. إن الادعاء بأن الفتاة والمرأة تريد أن تبدو وكأنها شقراء متفجرة بسبب لوحات الإعلان، الأفلام، برامج التلفاز، قصاصات الفيديو، وإعلانات المجلات، يملك من اللامنطقية أقل من الادعاء بأن الناس يصبحون جائعين لأنهم يقصفون بصور للأغذية في الوسائط media. إذا لو توقفت وسائل الإعلام عن إغراق الناس بصور للأغذية، فإنهم لن يجوعوا أبداً !

يمكن لأي شخص أن يرى عبثية هذه الحجة. فنحن نجوع دورياً لأن لدينا آليات فسلجية ونفسية تفرض علينا أن نسعى وراء الأغذية ونستهلكها. ونحن نملك هذه الآليات الفطرية لأنها تحل مشكلة هامة على التكيف لأجل البقاء. فأسلافنا (طويلاً قبل أن يكونوا بشراً أو حتى ثدييات) من لم يصبح منهم إلى حد ما جائعاً للغذاء، لن يعيش طويلاً بما يكفي ليترك ذرية يحملون جيناته. ونحن بطبيعة الحال نجوع بنفس القدر لو أن كل الإعلانات عن الطعام اختفت اليوم.فالإعلانات هي عواقب ميلنا للجوع، لا أسباب له؛ إذ هي تستغل حاجاتنا الفطرية للغذاء ولا تخلقها.

وينطبق الشيء نفسه مع المثل الأعلى للجمال الأنثوي. فقطعتان من الأدلة يفترض أن تكفي لدحض الادعاء بأن الصور في الوسائط، و “الثقافة” بشكل عام، تفرض على الفتيات والنساء الرغبة ليبدون وكأنهن شقراوات متفجرات. أولاً، كانت النساء يصبغن شعرهن أشقر لأكثر من نصف ألفية، وربما ألفيتين مضيتا، عندما لم يكن هناك تلفاز، سينما، أو مجلات (على الرغم من وجود صور، ونحن ندين لهذه اللوحات بأننا نعرف اليوم أن النساء يصبغن شعرهن أشقر في إيطاليا القرن الـ15 والـ16). فرغبة المرأة في أن تكون شقراء سبقت الوسائط بمئات، إن لم تكن آلاف السنين.

جيسيكا سيمبسون، مثال معاصر على الأيقونة الشقراءوثانياً، أظهرت دراسة حديثة أن النساء في إيران، حيث لا يتعرضن عادة للوسائط والثقافة الغربية، وبالتالي فهن لا يعرفن جيسيكا سمبسون من روزان بار، ومعظم النساء يرتدين الحجاب التقليدي الفضفاض الذي يغطي الجسم كله بحيث يجعل من المستحيل معرفة أي شكل وراءه، هن في الواقع أكثر اهتماما لصورة أجسادهن، ويردن أن يفقدن وزناً أكبر من نظيراتهن الأمريكيات في أرض ڤوغ ودمية باربي. العلوم الاجتماعية التقليدية، والتي تنسب تفضيلات ورغبات النساء كلياً للتنشئة الاجتماعية من قبل الوسائط، قد تجد صعوبة في تفسير كيف يمكن للإيطاليات في القرن الـ15 والإيرانيات اليوم أن تطمح ويسعين لتحقيق نفس الصورة المثالية للجمال الأنثوي كما تفعل النساء في المجتمعات الغربية المعاصرة.

فلماذا إذن تريد النساء أن يبدون كشقراوات متفجرات؟ يقترح علم النفس التطوري أن ذلك لأن الرجال يريدون التزاوج مع النساء اللاتي يبدون مثلهن، ورغبة المرأة لتبدو مثلهن هي استجابة مباشرة واقعية ومعقولة لهذه الرغبة من الرجال. وهذا يؤدي ببساطة لسؤال آخر: لماذا يريد الرجال التزاوج مع النساء اللاتي يبدون مثلهن؟ ذلك لأن المرأة التي تبدو مثلهن تملك قيمة إنجابية أعلى والخصوبة وتحقق نجاحاً إنجابياً أعلى من المتوسط. لا يوجد شيء تعسفي عن الصورة المثالية للجمال الأنثوي، بل هو محسوب بدقة وبعناية خلال ملايين السنين من التطور بالانتقاء الجنسي. اليوم يريد الرجال أن يتزاوجوا مع النساء اللاتي يبدون كشقراوات متفجرات، ونتيجة لذلك، تريد النساء أن يبدون مثلهن، وذلك لأن أسلافنا الرجال الذين لم يرغبوا بالتزاوج مع النساء اللاتي يبدون مثلهن لم يتركوا ذرية كثيرة كأولئك الذين فعلوا.

لنلقي نظرة فاحصة على ما أعنيه بالضبط بـ”شقراوات متفجرات”. لاحظوا أولاً أن هناك سلسلة طويلة من الشقراوات المتفجرات في الوسائط الغربية: باميلا أندرسون، جوردان، مادونا، بريجيت باردو، جين مانسفيلد، رجوعاً إلى الأيقونة ماريلين مونرو وحتى أبعد من ذلك في التاريخ. ولدينا عديد من الأمثلة المعاصرة أيضاً : جيسيكا سمبسون، كاميرون دياز، سكارليت جوهانسون، بين أخريات. يمكن للقراء من المجتمعات غير الغربية اقتراح بديل مناسب لممثلات الجمال الأنثوي من ثقافاتهم. أنا لا أعرف من هن، ولكنني قادر مع ذلك أن أكون على ثقة من أنهن يشتركن بالعديد من الميزات مع نظيراتهن الغربيات.

ما هي هذه الميزات؟ في الإدراجات القادمة، سوف نعزل ونناقش بالدور هذه السمات الرئيسية التي تحدد صورة الجمال الأنثوي المثالي. وهي: الشباب، الشعر الطويل، الخصر النحيل، النهد الكبير، الشعر الأشقر، العيون الزرق، والعيون الكبيرة. هناك منطق تطوري وراء كل منها.


باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(2)

الشباب

زواج فرانك سيناترا من ميا فارّو، مثال على الجاذبية الفائقة للشبابإحدى الخصائص الرئيسية للجمال الأنثوي المثالي هو الشباب. لماذا يفضل الرجال التزاوج مع فتيات شابات؟

الرجال يفضلون النساء الشابات لأن لديهن قيمة إنجابية أكبر وخصوبة أكثر من النساء الأسنّ. والقيمة الإنجابية للمرأة هي العدد المتوقع للأطفال الذين يمكن أن تلدهم في ما تبقى من مسيرتها الإنجابية، لذا فقيمتها الأقصى تكون في بداية الحيض، وتتراجع بثبات خلال مسار حياتها، وتصل إلى صفر في سن اليأس. والخصوبة هي متوسط عدد الأطفال لديها بالفعل في أي سن معينة، والذي يصل لحده الأقصى في عشريناتها. يشير المنطق النفسي التطوري إلى أن هذا هو السبب في انجذاب الرجال إلى الفتيات المراهقات والنساء الشابات، على الرغم من قوانين المجتمع المتحضر بشأن سن التمييز. تذكر، لم تكن ثمة قوانين ضد الاغتصاب الجنائي في بيئة الأسلاف؛ في الواقع، لم تكن ثمة قوانين على الإطلاق. ومبدأ السافانا، الذي ينص على أن الدماغ البشري لديه صعوبة في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف، يشير إلى أن العقل البشري لا يمكنه حقا أن يفهم القوانين المكتوبة، بما في ذلك القوانين المتعلقة بسن التمييز.

على سبيل المثال، فمدرسو الثانويات وأساتذة الجامعات في الولايات المتحدة (ولكن ليس زميلاتهم) لديهم معدل أعلى من المتوقع للطلاق وأقل من المتوقع للزواج من جديد، ربما لأنهم يتعرضون باستمرار لفتيات ونساء في ذروة قيمتهن الإنجابية. فأي امرأة بالغة قد يتزوجون أو يواعدون تتضاءل بالمقارنة مع طالبات إناث في شرخهنّ الإنجابي. ويمكن أن يفسر أيضاً السبب في أن معظم الزيجات في هوليوود لا تستمر طويلاً جداً. فالممثلون يتعرضون باستمرار ويترابطون بشكل وثيق مع أجيال أيفع وأيفع من النجيمات، في حين أن زوجاتهم الممثلات-الموديلات فقط يكبرن في السن.

باميلا أندرسون في "باي ووتش"وفي هذا الصدد، لدينا استطراد سير-ذاتي صغير، يدعم وجهة نظري مع ذلك حول أهمية الشباب في جمال الأنثى المثالية. عندما بدأنا، آلان س. ميلر وأنا، بكتابة الكتاب “لماذا لدى الناس الوسماء بنات أكثر” عام 2000، اخترنا باميلا أندرسون كمثل الأعلى للجمال الأنثوي، دمية باربي البشرية، وسمينا الفرع ذي الصلة من الكتاب “لماذا الرجال تعجبهم باميلا أندرسون (ولماذا تريد النساء أن يبدون مثلها)؟”ومع مر السنين، لم تعد تتلاءم مع اللائحة. فمسلسل “باي ووتش” انتهى بثه عام 2001، وباميلا أندرسون وصلت الـ40 عام 2007. لذلك اخترنا بعد ذلك أن تحل محلها بريتني سبيرز، التي كانت آنذاك صورة كاملة للأميرة العذرية الصالحة للزواج. حسناً، تعرفون ما حدث لها مؤخرا. المرشح التالي، رجاءً!

كما سعينا مرة أخرى لإبدال بريتني سبيرز بصورة أخرى للجمال الأنثوي المثالي، اتضح لنا في نهاية المطاف أنه، بغض النظر عمن اخترنا استخدامها، فإنها ستكون عتيقة الطراز قريباً نظراً للأهمية الكبيرة الموضوعة على الشباب من أجل الجمال الأنثوي المثالي. فلو كتبنا كتابنا قبل 30 عاما، لكان المقطع بعنوان “لماذا يحب الرجال فرح فاوست-ميجرز، (ولماذا تريد النساء أن يبدون مثلها)؟” (لكن علم النفس التطوري لم يكن موجوداً منذ 30 عاماً، ولن يكون لدينا شيء لنكتبة عن ذلك في كتابنا!). كان من شأن ذلك أن يجعل من الكتاب عتيقاً بالفعل الآن، إذ فرح فاوست وصلت الـ60 عام 2007. بما أننا كنا نريد أن يُقرأ كتابنا لفترة طويلة ولا يُنظر إليه أبداً كشيء عتيق، قررنا أخيرا عدم استخدام مثال فعلي لشقراء متفجرة.

باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(3)

الشعر الطويل

سيلينا جايد، مثال آسيوي جميل على الشعر المسترسلالرجال عموماً يفضلون النساء بشعر طويل. ومعظم النساء الشابات يخترن إطالة شعرهن. ومرة أخرى، تفضيل الرجال للنساء بشعر طويل هو السبب وراء تفضيل النساء لإطالة شعرهن. السؤال هو إذن: لماذا يفضل الرجال النساء ذوات الشعر الطويل؟

لأن الجنين البشري ينمو داخل جسم المرأة لتسعة أشهر، ومن ثم ترعى الأم وليدها الجديد لبضع سنوات لاحقة، فصحة المرأة أمر حاسم بالنسبة لرفاه الطفل. النساء المريضات لا يصنعن أمهات جيدات، بدرجة أكبر بكثير من أن الرجال المرضى لا يصنعون آباء جيدين. لذا، فالرجال يهتمون باختيار النساء الصحيحات ليكنّ أمهات لأطفالهم. جزء من السبب يعود لأن الرجال يفضلون النساء الشابات، وإلى جانب ارتفاع قيمتهن الإنجابية وخصوبتهن (كما نوقش في إدراجي السابق)، فالنساء الأصغر سنا غالبا ماً يكنّ أصحّ في المتوسط من النساء الأكبر.

كيف يمكن للرجال تقييم صحة قريناتهم المحتملات؟ لم تكن ثمة عيادات في بيئة الأسلاف؛ وكان الأسلاف الرجال يحكمون على صحة المرأة بأنفسهم. مؤشر دقيق على الصحة البدنية هو الجاذبية، وهذا هو السبب في أن الرجال يحبون النساء الجميلات، كما ذكرت في إدراجي السابق. ومؤشر آخر جيد على الصحة هو الشعر. فللأشخاص الأصحاء (رجالاً ونساء) شعر لامع براق، في حين أن شعر الناس المرضى يفقد بريقه. فأثناء المرض، يحتاج الجسم إلى مصادر جميع العناصر الغذائية المتاحة (كالحديد والبروتين) ليحارب المرض. وبما أن الشعر ليس ضرورياً للبقاء (مقارنة بنخاع العظم، مثلاً)، فالشعر هو المكان الأول الذي يتوجه له الجسم لجمع المغذيات الضرورية. وبالتالي، فالصحة الضعيفة لشخص تظهر أولاً في حالة الشعر.

إضافة لذلك، فالشعر ينمو ببطء شديد، حوالي ست بوصات في السنة. وهذا يعني أنه إذا كانت لامرأة شعر لحد الكتف (بطول قدمين)، فإنه يشير بدقة لوضعها الصحي على مدى السنوات الأربع الماضية، وذلك لأن الشعر ينمو مرة واحدة وما من شيء يمكن لحامله القيام به ليغير مظهره في وقت لاحق. فالمرأة قد تكون صحيحة الآن، ولكن إذا كانت مريضة في وقت ما خلال السنوات الأربع الماضية، فشعرها الطويل قد يشير إلى وضعها المرضي الماضي. لم يكن ما يمكن أن للمرأة فعله في بيئة الأسلاف لجعل شعرها يظهر صحياً وبراقاً لو كانت غير صحيحة. هذا أيضا هو سبب ميل المسنات للحفاظ على شعرهن قصيراً، لأنهن يملن لأن تصبح أقل صحة عندما يكبرن في السن، فلا يردن علامات واشية بوضعهن الصحي الراهن تتدلى من رؤوسهن.

لو أردت أن ترى هذه العملية في الأداء، حاول تجربة صغيرة بنفسك. اعثر على امرأة غريبة في مكان عام (مثل حديقة أو محطة مترو). لاحظها من الخلف، دون النظر إلى وجهها، يديها، ملابسها، أو أي شيء آخر عنها، فقط انظر إلى شعرها. حاول تخمين عمرها من حالة شعرها وحده، لا شيء آخر. وبمجرد انتهائك من التوصل إلى تخمين لسنها، مُرّ بها، واستدر إلى الأمام، وانظر بحذر في وجه المرأة. سوف تجد أنك نادراً جداً ما قد تفاجأ بسنها الظاهر عندما تنظر في إلى وجسدها كله، وذلك لأن حالة شعرها عادة ما تكون مؤشر دقيق جداً لعمرها. لقد اكتشفتَ الآن أهمية الشعر بوصفه دليلاً على العمر في بيئة الأسلاف.

باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(4)

الخصر الصغير

ما هي المقاييس المثالية للأنثى؟ 36-24-36. لماذا تعتبر هذه القياسات هي المثالية للأنثى؟ لقد تبين أن هذه الأرقام لم تُختَر اعتباطاً، بل هناك منطق تطوري دقيق وراءها.

ديفيندرا سينغفقد أجرى النفساني التطوري في جامعة تكساس، ديفيندرا سينغ، تجارب في مجتمعات مختلفة لإثبات أن الرجال لديهم تفضيل عالمي لنسب خصر-لورك منخفضة (قياس الخصر مقسوماً على قياس الورك). إذ قدمت لهم رسومات شكلية لنساء متطابقات في كل شيء إلا نسبة الخصر-للورك (متراوحة بين 0.7 إلى 1.0) ، أعرب معظم الرجال في تجارب سينغ عن تفضيلهم للنساء بنسبة الخصر-الورك 0.7، وهي قريبة جداً من نسبة الخصر-للورك لأي امرأة بقياس 36-24-36 (0.67).

قمت بتكرار تجارب سينغ شخصياً وبصورة غير رسمية في ثلاثة بلدان مختلفة في ثلاث قارات مختلفة (الولايات المتحدة، نيوزيلندا، والمملكة المتحدة) ، وعثرت على نفس نتائج سينغ. كانت النتائج متماثلة بشكل ملحوظ في كل تجربة في كل بلد؛ معظم الرجال يفضلون النساء ذوات نسبة الخصر-للورك 0.7، ومعظم النساء يفضلن الرجال بنسبة الخصر-للورك 0.9.

لماذا إذن يريد الرجال نساءً بنسب خصر-لورك منخفضة؟ يقول سينغ أن هذا لأن النساء الصحيحات لهن نسب خصر-لورك أقل من النساء غير الصحيحات. فهناك مجموعة من الأمراض – كالسكري، ارتفاع الضغط، السكتة القلبية، السكتة الدماغية، واضطرابات المرارة – تغيّر توزيع الدهون في الجسم بحيث لا يمكن للنساء المريضات أن يحافظن على انخفاض نسبة الخصر-للورك. فالنساء ذوات نسب الخصر-للفخذ منخفضة هن أكثر خصوبة؛ سيكون لهن وقت أسهل في حمل الأطفال، ويمكنهن القيام بذلك في وقت أبكر لأن لديهن كميات أكبر من الهرمونات التناسلية الأساسية. بطبيعة الحال، فالنساء الحوامل بطفل رجل آخر لا يمكنهن الحفاظ على نسبة خصر-لورك منخفضة.

نسبة الخصر-للورك للمرأة تتذبذب أيضاً، وإن قليلاً جداً، خلال دورة الطمث؛ فتصبح أوطأ أثناء الإباضة، عندما تكون المرأة خصبة. لذا، فالرجال يبحثون بلا وعي عن النساء الأكثر صحة وخصوبة عندما يسعون وراء نساء بخصور صغيرة.

إن تفضيل نسب الخصر-للورك الواطئة، كما حددها سينغ، يفسر معاً شعبية الكورسيهات في كثير من المجتمعات الغربية على مر التاريخ كوسيلة لجعل خصور النساء تبدو أصغر ما يمكن، والاتجاه الحالي للشابات لتعرية بطونهن. وهو يفسر أيضاً لماذا تكون المراهقات، لا النساء الآيسات، أكثر عرضة لتعرية بطونهن كإشارة صادقة على خصوبتهن العالية (القدرة على الحمل)، تماما كما تقوم النساء الشابات، لا الكبيرات، بإطالة شعرهن كإشارة صادقة على صحتهن. مرة أخرى، فنجومية بريتني سبيرز وكريستينا أغيليرا ليست سبب رغبة الفتيات الصغيرات لإظهار بطونهن، بل نتيجة لها.

إن رمزية نسبة الخصر-للفخذ في استنتاج خصوبة المرأة تفسر أهمية العددين الثاني والثالث في قياسات الأنثى المثالية 36-24-36. ولكن ماذا عن الـ36 الأولى؟ ما الذي يهم النساء في أن يكون محيط ثديهن: 36 بوصة؟ هذا هو موضوع إدراجي اللاحق.

باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(5)

الثديان الكبيران

نهدان فعمان ناصعان..كان سر إعجاب الرجال بالنساء ذوات الأثداء الكبيرة لغزاً لفترة طويلة في علم النفس التطوري، خصوصاً وأن حجم ثدي المرأة ليس له علاقة بقدرتها على الإرضاع؛ فالنساء بأثداء صغيرة يمكن أن ينتجن من الحليب لأطفالهن الرضع بنفس قدر ذوات الأثداء الكبيرة. حتى ذوات الأثداء الكبيرة لا يكنّ بالضرورة أمهات أفضل من ذوات الأثداء الصغيرة. لماذا إذن يفضل الرجالُ النساءَ ذوات الصدور الكبيرة؟ لم تكن ثمّ إجابة شافية لهذا السؤال حتى وقت قريب.

اقترح فرانك مارلو، الإناسي في هارفارد آنذاك، حلاً لهذا اللغز في أواخر الـ1990ـات، رغم أنه بعد فهم هذا التفسير، أصبح لغزاً آخر أنه كيف لم تخطر لأحد من قبل لتلك الفكرة. يستغل مارلو الملاحظة البسيطة أن الأثداء الأكبر، والأثقل بالتالي، تتدلى مع التقدم في العمر بشكل أوضح مما تلك الأصغر. وبالتالي، فمن الأسهل بكثير للرجال أن يحكموا على عمر المرأة (وقيمتها الإنجابية) بالنظر لو كان لديها أكبر مما لو كان لديها أثداء أصغر، لا يتغير شكلها كثيراً مع تقدم العمر.

تذكر أنه لم يكن ثمّ أي تراخيص قيادة أو شهادات ميلاد يمكن للرجال أن يتحققوا منها لمعرفة أعمار النساء في بيئة الأسلاف. لم تكن ثمّ نتيجة/تقويم، وبالتالي لم يوجد مفهوم أعياد الميلاد في بيئة الأسلاف، وحتى النساء أنفسهن لم يعرفن بالضبط كم كان عمرهن. كان الرجال الأسلاف بحاجة لاستنتاج سن المرأة وصحتها الإنجابية من بعض العلامات الجسدية، وحالة الأثداء قدمت دليلاً جيداً، فقط إذا كانت كبيرة بما يكفي ليتغير شكلها بشكل واضح مع تقدم العمر. يمكن للرجال أن يخبروا عن سن النساء بشكل أدق، ويحاولوا التزاوج مع النساء الشابات فقط، فقط إن كانت لديهن أثداء أكبر. مارلو يفترض أن هذا هو السبب في أن الرجال يجدون النساء ذوات الأثداء الكبيرة أكثر جاذبية.

وفي الآونة الأخيرة، كان هناك تفسير نفسي تطوري منافس لكون الرجال يفضلون النساء ذوات الصدور الكبيرة. فدراسة للنساء البولنديات تظهر أن النساء الذين لديهم صدور كبيرة وخصور ضيقة معاً لديهن خصوبة أكبر، كما تشير لها مستويات اثنين من الهرمونات التناسلية (17-β- إستراديول وبروجستيرون). لذلك فالرجال قد يفضلون النساء ذوات الصدور الكبيرة للسبب نفسه كما يفضلون ذوات الخصور الصغيرة. أدلة عملية أكثر قد تصبح ضرورية لتحديد أي هذين التفسيرين النفسيين التطوريين المتنافسين أكثر دقة. هذه فقط واحدة من المناطق العديدة التي تتنافس فيها الفرضيات في علم النفس التطوري – وهي علامة على علم صحي نشط، ودليل واضح على أن منتقدي علم النفس التطوري، الذين يدعون أنه مجرد “قصص حصلت هكذا” غير مفحوصة تجريبياً، هم يجهلون الميدان ببساطة.

يمكن للرجال الاستدلال بدقة على عمر المرأة وقيمتها الإنجابية فيما لو كان بإمكانهم مباشرة أن يراقبوا صدورهن وملامحهن الجسدية الأخرى (كمحتوى الدهون وتوزيعها من الجسم، وكما يظهر ذلك من الخصر الصغير، كما شرحت في إدراجي السابق). ولكن ماذا يفعل الرجال إذا لم يتمكنوا مباشرة من مراقبة أجساد النساء؟ ماذا لو أخفي جسد المرأة من خلال الملابس الثقيلة، على سبيل المثال؟ الرجال بحاجة إلى طريقة أخرى لتحديد سن المرأة: لون شعرها. هذا هو موضوع إدراجي المقبل.

باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(1)

لماذا يحب الرجال الشقراوات المتفجرات (ولماذا تريد النساء أن يبدون مثلهن)؟
ثمة معتقد شائع لدى علماء الاجتماع والجمهور العادي سوية، أن وسائل الإعلام تفرض صوراً تعسفية للجمال الأنثوي المثالي على الفتيات والنساء في مجتمعنا، وتجبرهم على التطلع إلى هذه المعايير المصطنعة والتعسفية. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.
وفقا لهذا الزعم، فالفتيات والنساء يردن أن يبدون وكأنهن عارضات فائقات أو ممثلات أو رموز بوب لأنهن يقصفن بشدة بصور لهاتيك النساء. ضمنياً، ووفقاً لهذه النظرة، فإن الفتيات والنساء يتوقفن عن إرادة الظهور مثلهن فيما لو توقفت وسائل الإعلام عن إغراقهن بمثل هذه الصور، أو قامت بتغيير المعايير التعسفية لجمال الأنثى. وقد تعزز هذا الرأي، ضمن أشياء أخرى، على يد العارضة السابقة – المتحولة لناشطة اجتماعية نسوية – “جان كيلبورن” في سلسلة أفلامها الوثائقية “قَتْلُنا بهدوء”.
كما يبدو، فإن كيلبورن وغيرها من النسويات يعتقدن بأن الفتيات والنساء هن آليات بلا عقول، قد يفعلن ويعتقدن بأي شيء يقوله لهن وكلاء الدعاية. إن الادعاء بأن الفتاة والمرأة تريد أن تبدو وكأنها شقراء متفجرة بسبب لوحات الإعلان، الأفلام، برامج التلفاز، قصاصات الفيديو، وإعلانات المجلات، يملك من اللامنطقية أقل من الادعاء بأن الناس يصبحون جائعين لأنهم يقصفون بصور للأغذية في الوسائط media. إذا لو توقفت وسائل الإعلام عن إغراق الناس بصور للأغذية، فإنهم لن يجوعوا أبداً !
يمكن لأي شخص أن يرى عبثية هذه الحجة. فنحن نجوع دورياً لأن لدينا آليات فسلجية ونفسية تفرض علينا أن نسعى وراء الأغذية ونستهلكها. ونحن نملك هذه الآليات الفطرية لأنها تحل مشكلة هامة على التكيف لأجل البقاء. فأسلافنا (طويلاً قبل أن يكونوا بشراً أو حتى ثدييات) من لم يصبح منهم إلى حد ما جائعاً للغذاء، لن يعيش طويلاً بما يكفي ليترك ذرية يحملون جيناته. ونحن بطبيعة الحال نجوع بنفس القدر لو أن كل الإعلانات عن الطعام اختفت اليوم.فالإعلانات هي عواقب ميلنا للجوع، لا أسباب له؛ إذ هي تستغل حاجاتنا الفطرية للغذاء ولا تخلقها.
وينطبق الشيء نفسه مع المثل الأعلى للجمال الأنثوي. فقطعتان من الأدلة يفترض أن تكفي لدحض الادعاء بأن الصور في الوسائط، و “الثقافة” بشكل عام، تفرض على الفتيات والنساء الرغبة ليبدون وكأنهن شقراوات متفجرات. أولاً، كانت النساء يصبغن شعرهن أشقر لأكثر من نصف ألفية، وربما ألفيتين مضيتا، عندما لم يكن هناك تلفاز، سينما، أو مجلات (على الرغم من وجود صور، ونحن ندين لهذه اللوحات بأننا نعرف اليوم أن النساء يصبغن شعرهن أشقر في إيطاليا القرن الـ15 والـ16). فرغبة المرأة في أن تكون شقراء سبقت الوسائط بمئات، إن لم تكن آلاف السنين.
وثانياً، أظهرت دراسة حديثة أن النساء في إيران، حيث لا يتعرضن عادة للوسائط والثقافة الغربية، وبالتالي فهن لا يعرفن جيسيكا سمبسون من روزان بار، ومعظم النساء يرتدين الحجاب التقليدي الفضفاض الذي يغطي الجسم كله بحيث يجعل من المستحيل معرفة أي شكل وراءه، هن في الواقع أكثر اهتماما لصورة أجسادهن، ويردن أن يفقدن وزناً أكبر من نظيراتهن الأمريكيات في أرض ڤوغ ودمية باربي. العلوم الاجتماعية التقليدية، والتي تنسب تفضيلات ورغبات النساء كلياً للتنشئة الاجتماعية من قبل الوسائط، قد تجد صعوبة في تفسير كيف يمكن للإيطاليات في القرن الـ15 والإيرانيات اليوم أن تطمح ويسعين لتحقيق نفس الصورة المثالية للجمال الأنثوي كما تفعل النساء في المجتمعات الغربية المعاصرة.
فلماذا إذن تريد النساء أن يبدون كشقراوات متفجرات؟ يقترح علم النفس التطوري أن ذلك لأن الرجال يريدون التزاوج مع النساء اللاتي يبدون مثلهن، ورغبة المرأة لتبدو مثلهن هي استجابة مباشرة واقعية ومعقولة لهذه الرغبة من الرجال. وهذا يؤدي ببساطة لسؤال آخر: لماذا يريد الرجال التزاوج مع النساء اللاتي يبدون مثلهن؟ ذلك لأن المرأة التي تبدو مثلهن تملك قيمة إنجابية أعلى والخصوبة وتحقق نجاحاً إنجابياً أعلى من المتوسط. لا يوجد شيء تعسفي عن الصورة المثالية للجمال الأنثوي، بل هو محسوب بدقة وبعناية خلال ملايين السنين من التطور بالانتقاء الجنسي. اليوم يريد الرجال أن يتزاوجوا مع النساء اللاتي يبدون كشقراوات متفجرات، ونتيجة لذلك، تريد النساء أن يبدون مثلهن، وذلك لأن أسلافنا الرجال الذين لم يرغبوا بالتزاوج مع النساء اللاتي يبدون مثلهن لم يتركوا ذرية كثيرة كأولئك الذين فعلوا.
لنلقي نظرة فاحصة على ما أعنيه بالضبط بـ”شقراوات متفجرات”. لاحظوا أولاً أن هناك سلسلة طويلة من الشقراوات المتفجرات في الوسائط الغربية: باميلا أندرسون، جوردان، مادونا، بريجيت باردو، جين مانسفيلد، رجوعاً إلى الأيقونة ماريلين مونرو وحتى أبعد من ذلك في التاريخ. ولدينا عديد من الأمثلة المعاصرة أيضاً : جيسيكا سمبسون، كاميرون دياز، سكارليت جوهانسون، بين أخريات. يمكن للقراء من المجتمعات غير الغربية اقتراح بديل مناسب لممثلات الجمال الأنثوي من ثقافاتهم. أنا لا أعرف من هن، ولكنني قادر مع ذلك أن أكون على ثقة من أنهن يشتركن بالعديد من الميزات مع نظيراتهن الغربيات.
ما هي هذه الميزات؟ في الإدراجات القادمة، سوف نعزل ونناقش بالدور هذه السمات الرئيسية التي تحدد صورة الجمال الأنثوي المثالي. وهي: الشباب، الشعر الطويل، الخصر النحيل، النهد الكبير، الشعر الأشقر، العيون الزرق، والعيون الكبيرة. هناك منطق تطوري وراء كل منها.
باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(2)

الشباب
إحدى الخصائص الرئيسية للجمال الأنثوي المثالي هو الشباب. لماذا يفضل الرجال التزاوج مع فتيات شابات؟
الرجال يفضلون النساء الشابات لأن لديهن قيمة إنجابية أكبر وخصوبة أكثر من النساء الأسنّ. والقيمة الإنجابية للمرأة هي العدد المتوقع للأطفال الذين يمكن أن تلدهم في ما تبقى من مسيرتها الإنجابية، لذا فقيمتها الأقصى تكون في بداية الحيض، وتتراجع بثبات خلال مسار حياتها، وتصل إلى صفر في سن اليأس. والخصوبة هي متوسط عدد الأطفال لديها بالفعل في أي سن معينة، والذي يصل لحده الأقصى في عشريناتها. يشير المنطق النفسي التطوري إلى أن هذا هو السبب في انجذاب الرجال إلى الفتيات المراهقات والنساء الشابات، على الرغم من قوانين المجتمع المتحضر بشأن سن التمييز. تذكر، لم تكن ثمة قوانين ضد الاغتصاب الجنائي في بيئة الأسلاف؛ في الواقع، لم تكن ثمة قوانين على الإطلاق. ومبدأ السافانا، الذي ينص على أن الدماغ البشري لديه صعوبة في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف، يشير إلى أن العقل البشري لا يمكنه حقا أن يفهم القوانين المكتوبة، بما في ذلك القوانين المتعلقة بسن التمييز.
على سبيل المثال، فمدرسو الثانويات وأساتذة الجامعات في الولايات المتحدة (ولكن ليس زميلاتهم) لديهم معدل أعلى من المتوقع للطلاق وأقل من المتوقع للزواج من جديد، ربما لأنهم يتعرضون باستمرار لفتيات ونساء في ذروة قيمتهن الإنجابية. فأي امرأة بالغة قد يتزوجون أو يواعدون تتضاءل بالمقارنة مع طالبات إناث في شرخهنّ الإنجابي. ويمكن أن يفسر أيضاً السبب في أن معظم الزيجات في هوليوود لا تستمر طويلاً جداً. فالممثلون يتعرضون باستمرار ويترابطون بشكل وثيق مع أجيال أيفع وأيفع من النجيمات، في حين أن زوجاتهم الممثلات-الموديلات فقط يكبرن في السن.
وفي هذا الصدد، لدينا استطراد سير-ذاتي صغير، يدعم وجهة نظري مع ذلك حول أهمية الشباب في جمال الأنثى المثالية. عندما بدأنا، آلان س. ميلر وأنا، بكتابة الكتاب “لماذا لدى الناس الوسماء بنات أكثر” عام 2000، اخترنا باميلا أندرسون كمثل الأعلى للجمال الأنثوي، دمية باربي البشرية، وسمينا الفرع ذي الصلة من الكتاب “لماذا الرجال تعجبهم باميلا أندرسون (ولماذا تريد النساء أن يبدون مثلها)؟”ومع مر السنين، لم تعد تتلاءم مع اللائحة. فمسلسل “باي ووتش” انتهى بثه عام 2001، وباميلا أندرسون وصلت الـ40 عام 2007. لذلك اخترنا بعد ذلك أن تحل محلها بريتني سبيرز، التي كانت آنذاك صورة كاملة للأميرة العذرية الصالحة للزواج. حسنا ، تعرفون ما حدث لها مؤخرا. المرشح التالي، رجاءً!
كما سعينا مرة أخرى لإبدال بريتني سبيرز بصورة أخرى للجمال الأنثوي المثالي، اتضح لنا في نهاية المطاف أنه، بغض النظر عمن اخترنا استخدامها، فإنها ستكون عتيقة الطراز قريباً نظراً للأهمية الكبيرة الموضوعة على الشباب من أجل الجمال الأنثوي المثالي. فلو كتبنا كتابنا قبل 30 عاما، لكان المقطع بعنوان “لماذا يحب الرجال فرح فاوست-ميجرز، (ولماذا تريد النساء أن يبدون مثلها)؟” (لكن علم النفس التطوري لم يكن موجوداً منذ 30 عاماً، ولن يكون لدينا شيء لنكتبة عن ذلك في كتابنا!). كان من شأن ذلك أن يجعل من الكتاب عتيقاً بالفعل الآن، إذ فرح فاوست وصلت الـ60 عام 2007. بما أننا كنا نريد أن يُقرأ كتابنا لفترة طويلة ولا يُنظر إليه أبداً كشيء عتيق، قررنا أخيرا عدم استخدام مثال فعلي لشقراء متفجرة.

باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(3)

الشعر الطويل
الرجال عموماً يفضلون النساء بشعر طويل. ومعظم النساء الشابات يخترن إطالة شعرهن. ومرة أخرى، تفضيل الرجال للنساء بشعر طويل هو السبب وراء تفضيل النساء لإطالة شعرهن. السؤال هو إذن: لماذا يفضل الرجال النساء ذوات الشعر الطويل؟
لأن الجنين البشري ينمو داخل جسم المرأة لتسعة أشهر، ومن ثم ترعى الأم وليدها الجديد لبضع سنوات لاحقة، فصحة المرأة أمر حاسم بالنسبة لرفاه الطفل. النساء المريضات لا يصنعن أمهات جيدات، بدرجة أكبر بكثير من أن الرجال المرضى لا يصنعون آباء جيدين. لذا، فالرجال يهتمون باختيار النساء الصحيحات ليكنّ أمهات لأطفالهم. جزء من السبب يعود لأن الرجال يفضلون النساء الشابات، وإلى جانب ارتفاع قيمتهن الإنجابية وخصوبتهن (كما نوقش في إدراجي السابق)، فالنساء الأصغر سنا غالبا ماً يكنّ أصحّ في المتوسط من النساء الأكبر.
كيف يمكن للرجال تقييم صحة قريناتهم المحتملات؟ لم تكن ثمة عيادات في بيئة الأسلاف؛ وكان الأسلاف الرجال يحكمون على صحة المرأة بأنفسهم. مؤشر دقيق على الصحة البدنية هو الجاذبية، وهذا هو السبب في أن الرجال يحبون النساء الجميلات، كما ذكرت في إدراجي السابق. ومؤشر آخر جيد على الصحة هو الشعر. فللأشخاص الأصحاء (رجالاً ونساء) شعر لامع براق، في حين أن شعر الناس المرضى يفقد بريقه. فأثناء المرض، يحتاج الجسم إلى مصادر جميع العناصر الغذائية المتاحة (كالحديد والبروتين) ليحارب المرض. وبما أن الشعر ليس ضرورياً للبقاء (مقارنة بنخاع العظم، مثلاً)، فالشعر هو المكان الأول الذي يتوجه له الجسم لجمع المغذيات الضرورية. وبالتالي، فالصحة الضعيفة لشخص تظهر أولاً في حالة الشعر.
إضافة لذلك، فالشعر ينمو ببطء شديد، حوالي ست بوصات في السنة. وهذا يعني أنه إذا كانت لامرأة شعر لحد الكتف (بطول قدمين)، فإنه يشير بدقة لوضعها الصحي على مدى السنوات الأربع الماضية، وذلك لأن الشعر ينمو مرة واحدة وما من شيء يمكن لحامله القيام به ليغير مظهره في وقت لاحق. فالمرأة قد تكون صحيحة الآن، ولكن إذا كانت مريضة في وقت ما خلال السنوات الأربع الماضية، فشعرها الطويل قد يشير إلى وضعها المرضي الماضي. لم يكن ما يمكن أن للمرأة فعله في بيئة الأسلاف لجعل شعرها يظهر صحياً وبراقاً لو كانت غير صحيحة. هذا أيضا هو سبب ميل المسنات للحفاظ على شعرهن قصيراً، لأنهن يملن لأن تصبح أقل صحة عندما يكبرن في السن، فلا يردن علامات واشية بوضعهن الصحي الراهن تتدلى من رؤوسهن.
لو أردت أن ترى هذه العملية في الأداء، حاول تجربة صغيرة بنفسك. اعثر على امرأة غريبة في مكان عام (مثل حديقة أو محطة مترو). لاحظها من الخلف، دون النظر إلى وجهها، يديها، ملابسها، أو أي شيء آخر عنها، فقط انظر إلى شعرها. حاول تخمين عمرها من حالة شعرها وحده، لا شيء آخر. وبمجرد انتهائك من التوصل إلى تخمين لسنها، مُرّ بها، واستدر إلى الأمام، وانظر بحذر في وجه المرأة. سوف تجد أنك نادراً جداً ما قد تفاجأ بسنها الظاهر عندما تنظر في إلى وجسدها كله، وذلك لأن حالة شعرها عادة ما تكون مؤشر دقيق جداً لعمرها. لقد اكتشفتَ الآن أهمية الشعر بوصفه دليلاً على العمر في بيئة الأسلاف.

باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(4)

الخصر الصغير
ما هي المقاييس المثالية للأنثى؟ 36-24-36. لماذا تعتبر هذه القياسات هي المثالية للأنثى؟ لقد تبين أن هذه الأرقام لم تُختَر اعتباطاً، بل هناك منطق تطوري دقيق وراءها.
فقد أجرى النفساني التطوري في جامعة تكساس، ديفيندرا سينغ، تجارب في مجتمعات مختلفة لإثبات أن الرجال لديهم تفضيل عالمي لنسب خصر-لورك منخفضة (قياس الخصر مقسوماً على قياس الورك). إذ قدمت لهم رسومات شكلية لنساء متطابقات في كل شيء إلا نسبة الخصر-للورك (متراوحة بين 0.7 إلى 1.0) ، أعرب معظم الرجال في تجارب سينغ عن تفضيلهم للنساء بنسبة الخصر-الورك 0.7، وهي قريبة جداً من نسبة الخصر-للورك لأي امرأة بقياس 36-24-36 (0.67).
قمت بتكرار تجارب سينغ شخصياً وبصورة غير رسمية في ثلاثة بلدان مختلفة في ثلاث قارات مختلفة (الولايات المتحدة، نيوزيلندا، والمملكة المتحدة) ، وعثرت على نفس نتائج سينغ. كانت النتائج متماثلة بشكل ملحوظ في كل تجربة في كل بلد؛ معظم الرجال يفضلون النساء ذوات نسبة الخصر-للورك 0.7، ومعظم النساء يفضلن الرجال بنسبة الخصر-للورك 0.9.
لماذا إذن يريد الرجال نساءً بنسب خصر-لورك منخفضة؟ يقول سينغ أن هذا لأن النساء الصحيحات لهن نسب خصر-لورك أقل من النساء غير الصحيحات. فهناك مجموعة من الأمراض – كالسكري، ارتفاع الضغط، السكتة القلبية، السكتة الدماغية، واضطرابات المرارة – تغيّر توزيع الدهون في الجسم بحيث لا يمكن للنساء المريضات أن يحافظن على انخفاض نسبة الخصر-للورك. فالنساء ذوات نسب الخصر-للفخذ منخفضة هن أكثر خصوبة؛ سيكون لهن وقت أسهل في حمل الأطفال، ويمكنهن القيام بذلك في وقت أبكر لأن لديهن كميات أكبر من الهرمونات التناسلية الأساسية. بطبيعة الحال، فالنساء الحوامل بطفل رجل آخر لا يمكنهن الحفاظ على نسبة خصر-لورك منخفضة.
نسبة الخصر-للورك للمرأة تتذبذب أيضاً، وإن قليلاً جداً، خلال دورة الطمث؛ فتصبح أوطأ أثناء الإباضة، عندما تكون المرأة خصبة. لذا، فالرجال يبحثون بلا وعي عن النساء الأكثر صحة وخصوبة عندما يسعون وراء نساء بخصور صغيرة.
إن تفضيل نسب الخصر-للورك الواطئة، كما حددها سينغ، يفسر معاً شعبية الكورسيهات في كثير من المجتمعات الغربية على مر التاريخ كوسيلة لجعل خصور النساء تبدو أصغر ما يمكن، والاتجاه الحالي للشابات لتعرية بطونهن. وهو يفسر أيضاً لماذا تكون المراهقات، لا النساء الآيسات، أكثر عرضة لتعرية بطونهن كإشارة صادقة على خصوبتهن العالية (القدرة على الحمل)، تماما كما تقوم النساء الشابات، لا الكبيرات، بإطالة شعرهن كإشارة صادقة على صحتهن. مرة أخرى، فنجومية بريتني سبيرز وكريستينا أغيليرا ليست سبب رغبة الفتيات الصغيرات لإظهار بطونهن، بل نتيجة لها.
إن رمزية نسبة الخصر-للفخذ في استنتاج خصوبة المرأة تفسر أهمية العددين الثاني والثالث في قياسات الأنثى المثالية 36-24-36. ولكن ماذا عن الـ36 الأولى؟ ما الذي يهم النساء في أن يكون محيط ثديهن: 36 بوصة؟ هذا هو موضوع إدراجي اللاحق.

باربي: صنعتها “ماتيل”، ولكن صممها التطور
(5)

الثديان الكبيران
كان سر إعجاب الرجال بالنساء ذوات الأثداء الكبيرة لغزاً لفترة طويلة في علم النفس التطوري، خصوصاً وأن حجم ثدي المرأة ليس له علاقة بقدرتها على الإرضاع؛ فالنساء بأثداء صغيرة يمكن أن ينتجن من الحليب لأطفالهن الرضع بنفس قدر ذوات الأثداء الكبيرة. حتى ذوات الأثداء الكبيرة لا يكنّ بالضرورة أمهات أفضل من ذوات الأثداء الصغيرة. لماذا إذن يفضل الرجالُ النساءَ ذوات الصدور الكبيرة؟ لم تكن ثمّ إجابة شافية لهذا السؤال حتى وقت قريب.
اقترح فرانك مارلو، الإناسي في هارفارد آنذاك، حلاً لهذا اللغز في أواخر الـ1990ـات، رغم أنه بعد فهم هذا التفسير، أصبح لغزاً آخر أنه كيف لم تخطر لأحد من قبل لتلك الفكرة. يستغل مارلو الملاحظة البسيطة أن الأثداء الأكبر، والأثقل بالتالي، تتدلى مع التقدم في العمر بشكل أوضح مما تلك الأصغر. وبالتالي، فمن الأسهل بكثير للرجال أن يحكموا على عمر المرأة (وقيمتها الإنجابية) بالنظر لو كان لديها أكبر مما لو كان لديها أثداء أصغر، لا يتغير شكلها كثيراً مع تقدم العمر.
تذكر أنه لم يكن ثمّ أي تراخيص قيادة أو شهادات ميلاد يمكن للرجال أن يتحققوا منها لمعرفة أعمار النساء في بيئة الأسلاف. لم تكن ثمّ نتيجة/تقويم، وبالتالي لم يوجد مفهوم أعياد الميلاد في بيئة الأسلاف، وحتى النساء أنفسهن لم يعرفن بالضبط كم كان عمرهن. كان الرجال الأسلاف بحاجة لاستنتاج سن المرأة وصحتها الإنجابية من بعض العلامات الجسدية، وحالة الأثداء قدمت دليلاً جيداً، فقط إذا كانت كبيرة بما يكفي ليتغير شكلها بشكل واضح مع تقدم العمر. يمكن للرجال أن يخبروا عن سن النساء بشكل أدق، ويحاولوا التزاوج مع النساء الشابات فقط، فقط إن كانت لديهم أثداء أكبر. مارلو يفترض أن هذا هو السبب في أن الرجال يجدون النساء ذوات الأثداء الكبيرة أكثر جاذبية.
وفي الآونة الأخيرة، كان هناك تفسير نفسي تطوري منافس لكون الرجال يفضلون النساء ذوات الصدور الكبيرة. فدراسة للنساء البولنديات تظهر أن النساء الذين لديهم صدور كبيرة وخصور ضيقة معاً لديهن خصوبة أكبر، كما تشير لها مستويات اثنين من الهرمونات التناسلية (17-β- إستراديول وبروجستيرون). لذلك فالرجال قد يفضلون النساء ذوات الصدور الكبيرة للسبب نفسه كما يفضلون ذوات الخصور الصغيرة. أدلة عملية أكثر قد تصبح ضرورية لتحديد أي هذين التفسيرين النفسيين التطوريين المتنافسين أكثر دقة. هذه فقط واحدة من المناطق العديدة التي تتنافس فيها الفرضيات في علم النفس التطوري – وهي علامة على علم صحي نشط، ودليل واضح على أن منتقدي علم النفس التطوري، الذين يدعون أنه مجرد “قصص حصلت هكذا” غير مفحوصة تجريبياً، هم يجهلون الميدان ببساطة.
يمكن للرجال الاستدلال بدقة على عمر المرأة وقيمتها الإنجابية فيما لو كان بإمكانهم مباشرة أن يراقبوا صدورهن وملامحهن الجسدية الأخرى (كمحتوى الدهون وتوزيعها من الجسم، وكما يظهر ذلك من الخصر الصغير، كما شرحت في إدراجي السابق). ولكن ماذا يفعل الرجال إذا لم يتمكنوا مباشرة من مراقبة أجساد النساء؟ ماذا لو أخفي جسد المرأة من خلال الملابس الثقيلة، على سبيل المثال؟ الرجال بحاجة إلى طريقة أخرى لتحديد سن المرأة: لون شعرها. هذا هو موضوع إدراجي المقبل.