قال الجاحظ في البيان والتبيين: ومن خطباء إياد قس بن ساعدة، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: “أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات وكل ما هو آت آت” وهو القائل في هذه:

“آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. ضوء وظلام، وبر وآثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب . ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون. أرضوا فأقاموا أم حبسوا فناموا”.

وهو القائل:
“يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر، أقسم قس بالله إن لله لدينا أرضى من دينكم هذا”.
وأنشدوا له:
فـي الـذاهـبــيــن الأ ولـيـ         ن من القرون لنا بـصائـر
لـما رأ يـــــت مـــواردا          للـموت لـيـس لها مصـادر
ورأ يـــت قومي نـحـوها        يمضي الأصاغر والأكابر
لا يـرجـع الــماضـي ولا        يـبـقى مـن البـاقـيـن غـابـر
أيـقــنــت أ نـي لا مــحــا        لة حـيث صار القوم صائر

ويقول أحد المؤلفين في مرجع آخر:

“وقد نزل القرآن مصدقا لقوله، مقرا طريقة قس في الإستدلال بعجائب المخلوقات على وجود الخالق” وروى له هذه الخطبة:
أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئا فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا؟ تبا لأرباب الغفلة والأمم الخالية والقرون الماضية.
يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين المريض والعواد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيد، وزخرف ونجد؟ أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم الدهر بطوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية. كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود”

لاحظ التشابه الكبير المثير للعجب الموجود بين قول قس بن ساعدة وبين الكثير من الآيات القرآنية، المفردات والجمل والأسلوب والأفكار والمعنى، كل شيء متطابق.
مثلا :
في القرآن الكريم “آيات محكمات” ، “والسماء ذات البروج” ، “وجمع فأوعى” ، “وقال أنا ربكم الأعلى”
وعند قس مثلها.
في القرآن:
“وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ” ، “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ”
وعند قس:
إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا.
في القرآن سورة الإخلاص وعند قس :
كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود.
في القرآن ذكر لفرعون وطغيانه وأوتاده وعاد وثمود وذكر للقرون والبصائر .
وعند قس مثل ذلك.
في القرآن:
أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا، وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا، وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا، وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا.
وعند قس مثله

يقول الوحي:
“نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين”.
ويقول:
“فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم”.
يشير بقوله “وما لا تبصرون” إلى العالم الذي ينتمي إليه الرسول الكريم، مثل قوله “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لّا تُبْصِرُونَ” والرسول الكريم هو الروح الأمين، أليس كذلك؟ روح من إذن؟ أول المرشحين لهذه المهمة هو قس بن ساعدة .
يقول الوحي :
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ؟ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ، كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ.
يزعم المفسرون بأن قوله “كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ” تهديد ووعيد ، وهذا غير صحيح، لأنه يقول في موضع آخر : “وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ”.
ومباشرة بعد قوله “كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ” أعطى إشارة قوية بقوله:
“أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا، … … ”

يبدوا وكأنه قس بن ساعدة وهو يمارس هوايته المفضلة من وراء حجاب.

“فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ”.

المزيد من أخبارقس بن ساعدة في: البداية والنهاية، لابن كثير؛ دلائل النبوة، للبيهقي؛ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي، وغير ذلك من المراجع.

___________________________

من مدونة: خطاب القرآن الكريم خاص بقوم الرسول.