أن تعتقد أن أحدا من الخلائق، حيا كان أو ميتا، يتمتع بعلاقة خاصة مع الله تتميزعن العلاقة التي بينك وبينه فذلك هو الشرك بعينه، ومثل هذا الإعتقاد فيه خطر كبير على من يعتقده لأنه يسلبه حريته التي هي أغلى ما عنده ويجعله تحت تصرف ذلك المخلوق وتراثه وكتبه إذا ترك شيئا فيكون لعبة بين يديه إذا كان حيا ولم يكن من المتقين، ولعبة بأيدي كهنته وسدنته يستغلونه كيف يشاؤون.
يقولون عن فلان: “قدس الله سره”، وعن ولده أو أحد مريديه أنه “وارث سره”، والسر في الحقيقة إنما هو ذلك الإعتقاد الخطيرالذي ذكرناه والذي يحرصون أشد الحرص على بقائه وتوطيده والدعوة إليه بكل الوسائل، بما فيها الكذب والترهيب، حتى يتمكنوا من بسط سلطتهم على الناس واستغلالهم، وهؤلاء هم أكبر النصابين لأنهم يسلبون الناس بالحيلة أغلى ما عندهم وهو فكرهم وحريتهم .

الأنبياء والرسل والملائكة وغيرهم من الخلائق، الكل عند الله سواء، ولا أحد يتمتع بالقرب من الله أكثر من غيره فالله قريب من الجميع بنفس المسافة ولا حاجة إلى وسائط، وإنما الحاجة إلى أناس ذوي حكمة وخبرة وتجربة يرشدون الناس ويعظونهم عند الطلب، بإسم الحكمة لا بإسم الدين والغيبيات، لأنه من الطبيعي أن يجد الإنسان نفسه أحيانا في موقف لا يعرف كيف يتصرف فيه ولا سيما في عصرنا هذا.

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ.

يقول مؤلف كتاب الإبريز عن الشيخ عبد العزيز الدباغ:

“ومنها أني أول ما عرفته كانت تحتي ابنة الشيخ الفقيه العالم العلامة سيدي محمد بن عمر السجلماسي نزيل زاوية مولاي إدريس الأكبر وإمامها وخطيبها، وقد عرفت مكانته رحمه الله، فكنت أحب البنت حبا شديدا لكمال عقلها وحسن عشرتها ولين جانبها في مواردها ومصادرها، ولما علم رضي الله عنه مكانتها في قلبي وأني لا أحب أحدا حبها جعل يسألني في بعض الأحيان ويقول: هل تحبني مثلها أو هي أكثر؟ فأصدقه وأقول هي أكثر، وكنت معذورا بجهلي بمكانة الشيخ وإمامته في ذلك الوقت، فكان يتأثر بذلك وحق له رضي الله عنه، فإن المريد لا يجيء منه شيء حتى لا يكون في قلبه غير الشيخ والله والرسول،(يا له من بليد!) فكان يسايرني في هذا الباب ويريد أن ينقلني عن تلك الحالة، فلما أن أبيت وسبق من قدر الله ما سبق دخلت عليه ذات يوم رضي الله عنه وذلك صبيحة ليلة سبع وعشرين من رمضان عام خمسة وعشرين ومائة وألف فما زلنا نتكلم حتى قال: إن مخالطة الأولياء بمنزلة أكل السموم وقد كان سيدي فلان لما عرفه مريده لم يترك له امرأة ولا ولدا حتى أفرده به، ولم أفهم الإشارة حتى نزل بالمرأة ما نزل وكان بقرب ذلك الكلام فبقيت في مرضها إلى أن توفيت رحمها الله. وكان رضي الله عنه يحبها محبة شديدة فهنيئا لها وما زال يؤنسها في مرضها ويبعث لها بالأدوية والأشربة وكل ما يحبه المريض ويعدها بالشفاء ويعني به شفاء الآخرة كما أخبرنا بذلك. ولما توفيت بقي قلبي متعلقا بولد تركته لي فجعلت إذا نظرت فيه اشتغل به قلبي، فبقي مدة قليلة بعد أمه ثم قبضه الله عز وجل. ثم إني تزوجت من الفقيه المذكور بنتا أخرى، فلما بنيت بها وجدتها والله فوق ما نظن في الحسن والجمال والعقل والكمال واستولت على قلبي، فلم تبق إلا مدة قليلة حتى قبضها الله عز وجل. ثم منّ الله علي بمحبة الشيخ رضي الله عنه المحبة التي لا محبة فوقها، وذلك أني كنت جالسا معه رضي الله عنه في الدار وهو يتكلم على محبة الله وكيف تكون وأوردت عليه أسئلة كثيرة وأجابني عنها، وقد قيدت ذلك وستراه إن شاء الله في أثناء الكتاب، ثم ضحك رضي الله عنه وقال: كيف نصنع معك ولم تزل تحب المرأتين في الدنيا حتى نقلهما الله عز وجل إلى رحمته وأنزلهما مع سائر الأرواح في البرزخ، ثم لم تزل مقيما على محبتهما المحبة الكاملة، فإلى أي موضع ينقلهما الله عز وجل من البرزخ ويجعلهما فيه حتى يغيبا عن قلبك؟ فغسل كلامه هذا والله محبتهما من قلبي وخلصت المحبة كلها للشيخ رضي الله عنه. ولقد تزوجت بنتا ثالثة من بنات الفقيه المذكور رحمه الله ولم يتعلق بها قلبي، فهي والحمد لله على السلامة والعافية.

ومنها أني ذهبت لزيارته وكانت إحدى زوجاتي حاملا فتكلمت معه في شأنها، فقال لي إنها تلد ولدا ذكرا اسمه أحمد، فلما قدمت ذكرت لأهلي ذلك فكان كما قال رضي الله عنه، ثم إن زوجتي الأخرى دخلتها غيرة حيث ولدت الأولى ذكرا وكانت ترضع بنية ففطمتها قبل الأوان لعلها تحمل، فلمتها على ذلك، فقالت إني حامل وخفت على البنت وأقسمت على ذلك، فلما ذهبت لزيارة الشيخ رضي الله عنه ذكرت له القصة فقال كذبت ليس عندها شيء، فرجعت فوجدتها كما قال رضي الله عنه، فمكثت ثلاثة أشهر ومضيت لزيارته فقال لي أحملت زوجتك؟ فقلت لا أدري يا سيدي، فقال إنها حامل منذ خمسة عشر يوما وهو ذكر إن شاء الله فسمه باسمي وهو يشبهني إن شاء الله، فلما رجعت أعلمت الزوجة بما قال وفرحت، ثم ولدت ذكرا كما قال رضي الله عنه وهو أشبه الناس به بشرة.

ومنها أن الزوجة الأولى حملت ثانيا فسألته عن حملها فقال لي بنت وسمها باسم أمي، فكان الأمر كما قال، فزادت عندنا بنت وسميتها باسم أمه رضي الله عنه.

ومنها أني خلوت ذات ليلة بإحدى زوجاتي وكانت مستلقية فكنت أمازحها حتى حصل مني النظر إلى عورتها قصدا وعمدا، فلما قدمت عليه للزيارة وكان بيني وبينه مرحلتان جعل يمازحني حتى قال ما تقولون أنتم أيها العلماء في النظر إلى عورة المرأة؟ فقلت له ما قالت العلماء فقال لي: وهل تفعله؟ فقلت لا، نسيانا لما وقع مني، فقال: حتى في الليلة الفلانية؟ فاستحييت وتذكرت ما فعلت فقام عني وقال: لا تعد وجه نظرك إلى الكعبة إن شاء الله.

ومنها أني جمعت بين زوجتي ذات ليلة في مبيت واحد لعذر منع إحداهما من مبيتها بمسكنها، فباتت كل واحدة منهما على فراش وحدها وبت أنا على فراش وحدي وبقي فراش رابع في البيت لم يبت عليه أحد، ثم دعتني نفسي إلى وطء إحدى الزوجتين فوطئتها ظنا مني أن الأخرى نائمة، ثم لما نمت شيئا قليلا قمت وطئت الأخرى ظنا مني أن الأولى نائمة أيضا. ثم لما قدمت لزيارته وكنت أكثر منها وإن بعدت المسافة جعل ذات يوم يمازحني حتى قال: ما تقولون في جمع المرأتين في مسكن واحد مع وطئهما، فعلمت أنه أشار إلى ما وقع مني، فقلت سيدي وكيف علمت ذلك، فقال ومن نام على الفراش الرابع؟ فقلت سيدي ظننت أنهما نائمتان، فقال: ما نامت الأولى ولا الثانية على أنه لا يليق ذلك ولو نائمتين، فقلت سيدي ذلك هو المذهب وأنا تائب إلى الله.

ومنها أني لما أردت أن أتزوج الزيرارية وكنت غير عارف بصفتها فوصفها لي بما وجدتها عليه وذكر لي فيها أمورا لا يعلمها إلا الله، ثم لما عزمت على الدخول قال لي أنا ليلة الدخول أكون عندكم، فقلت له وبم أعلم ذلك يا سيدي؟ فقال لي أن أفعل لك علامة، ثم لما اجتمعت بالزوجة وكلمتها بعض الكلام وإذا بالدم يسيل من خياشيمها، فقلت لها وما بالك؟ فقالت لي أنت ضربتني على أنفي فسكتت عنها وعلمت أنه فعل سيدنا الإمام، ثم لما ذهبت لزيارته وذكرت له القصة قال لي نعم، ولو لم يهبط ذلك الدم من خياشيمها لمرضت، وذلك أنها جاءت من موضع بعيد وكان يوما باردا فامتخض فيها الدم.

ومنها أني قدمت لزيارته رضي الله عنه فجلس معي في مسكن من مساكن داره حتى كان وقت النوم فقال: نم ونزل، فأزلت ثيابي واستلقيت وإذا بيد دخلت معي ودغدغتني في تراقي، فضحكت قهرا وضحك هو رضي الله عنه وهو بموضع مبيته بالسفل في البيت فعلمت أنه الذي فعل ذلك.

ومنها أني كنت رجلا كثير النوم، فتارة أفيق عند طلوع الفجر فأطأ زوجتي في ذلك الوقت، وتارة يجدني الفجر نائما، فلما حضرت بين يديه رضي الله عنه قال للإخوان الحاضرين: إن فلانا كلما أقدمت عليه عند طلوع الفجر أجده إما نائما وإما أن يطأ زوجته في ذلك الوقت، فقال له بعض الإخوان الحاضرين يا سيدي ما الأفضل هل وطء الزوجة أو النوم في ذلك الوقت؟ ……..
ومنها قال سيدي عبد الرحمن: قصدت الشيخ للزيارة فلما جلست بين يديه قال لي: أي شيء كنت تفعل ليلة الأحد، فقلت وأي شيء يا سيدي؟ فقال: حيث كنت تجامع أهلك وقد أجلست ولدك على الوسادة حيث أبى النوم وحيث كان القنديل على الصندوق، أوما علمت أني حاضر معك؟ وبالجملة فكرامات الشيخ رضي الله عنه لا تعد ولا تحصى.

ثم قال سيدي علي: ومنها أنه رضي الله عنه وصف لي زوجتي من رأسها إلى قدمها عضوا عضوا ما ظهر منها وما خفي وكانت كما وصفها رضي الله عنه لم يزد ولم ينقص، حتى لو كلفت أنا بوصفها ما وصفتها كما وصف رضي الله عنه، فلو حضرت والله بين يديه ما زاد فيها معرفة وكانت على مسيرة أربعة أيام ولم يرها قط.”

انتهى ما نقلته من كتاب الإبريز

 

تأمل، يقول مؤلف الإبريز:

“فمكثت ثلاثة أشهر ومضيت لزيارته فقال لي أحملت زوجتك؟ فقلت لا أدري يا سيدي، فقال إنها حامل منذ خمسة عشر يوما وهو ذكر إن شاء الله فسمه باسمي وهو يشبهني إن شاء الله، فلما رجعت أعلمت الزوجة بما قال وفرحت، ثم ولدت ذكرا كما قال رضي الله عنه وهو أشبه الناس به بشرة”.

قال “وهو يشبهني” لأنه يعلم مسبقا أنها حملت منه هو لا من مريده “فتمثل لها بشرا سويا” ثم ولدت ذكرا وهو أشبه الناس به بشرة. الله وحده يعلم ماذا جرى بينه و بين الزوجتين اللتين قتلهما “قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا” هذا يشير إلى أنها كانت ثمة معارضة قوية لكن لا حول للمسكينة ولا قوة.

والشيوخ الذين يحشرون أنفسهم مع أولياء الله، وهم في الحقيقة شياطين، كثيرون في كل زمان ومكان ، ظهرعندنا في المغرب حديثا واحد من أكبرهم، كانت هوايته الحديث عن الخلافة على منهاج النبوة وكان يوهم نفسه وأتباعه بأنه فوق الجميع، ويتكلم ناصحا وواعظا بأفكار سلفية ظلامية، فانخرط في جماعته جمهور كبير. يقول أصحابه ان له كرامات كثيرة وأنه يخترق الحيطان، والكثير ممن سقطوا في شراكه لا يتبعونه إلا خوفا من سخطه وبطشه الشيطاني، يزورونه ويتبركون به وينفقون أموالهم عليه وعلى أهله.

فحذار من مثل هؤلاء.

_______________________________________

من مدونة : خطاب القرآن الكريم خاص بقوم الرسول