جرت العادة بتسميته ظلما وعدوانا ب “مسيلمة الكذاب”، إسمه مسلمة بن حبيب الحنفي، كان يدعوا إلى عبادة الله الواحد باسمه الرحمن وكانت قريش تسميه قبل وفاته ب: رحمن اليمامة. أطلق عليه الغزاة إسم مسيلمة الكذاب تحقيرا له ولقومه وشنوا عليه حرب إبادة فقتلوه وأبادوا أصحابه في ما يسمى بحديقة الموت.

لم يكن “رحمن اليمامة” كاذبا ولا ظالما بل كان رجلا صالحا ورسولا نبيئا في قومه.
ما المانع من أن يبعث الله في قرية واحدة رسولين أو أكثر ، يقول الوحي :

وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ.

لكن الغزاة المتدربين على الحروب أحسن تدريب كانوا يرون فيه عقبة أمام طموحاتهم الظالمة وفرصة سانحة لحصد مغانم رخيصة.

يقول الدكتور جواد علي:

وأنا لا أستبعد ما نسب إلى “مسيلمة” من دعوى نزول الوحي عليه، وتسمية ذلك الوحي “قرآناً” أو كتاباً أو سفراً، أو شيئاً آخر، ولكني أستبعد صحة هذه الآيات التي نسبتها الكتب إليه، وأرى أن أكثرها ورد بطريق آحاد، فلما نقلها الخلف عن السلف، وكثر ورودها في الكتب ظهرت وكأنها أخبار متواترة، وصارت في حكم ما أجمع عليه.(…)

ويقول الدكتور جواد علي في الآيات التي تنسب إلى مسيلمة : أما أن تلك الآيات آيات قالها “مسيلمة” حقأ، فتلك قضية لا يمكن إثباتها، فلما قتل، وضع أصحابه عليه أموراً كثيرة، قد يكون في جملتها هذه الآيات، أما قرآنه الذي قيل إنه وضعه يضاهي به القرآن، فقد هلك بهلاكه، ولم أجد أحداً ذكر أنه وقف عليه، ونقل منه، ولعله كان كلاماً لم يسجل في حياة مسيلمة، وإنما كان محفوظاً في صدر صاحبه وفي صدور أتباعه، ودخل من دخل من أصحابه في الإسلام و طمس أثر ذلك القرآن.

ويظهر أن بني حنيفة بقوا على تعلقهم بمسيلمة، حتى بعد مقتله وذهاب امره.
ففي خبر ينسب إلى “ابن معيز” السعدي أنه مر على مسجد بني حنيفة، فسمعهم يذكرون “مسيلمة”، ويزعمون أنه نبي، فأتى “ابن مسعود” فاًخبره. ….
ويدل تعلق “بني حنيفة” وغيرهم من عرب اليمامة بمسيلمهَ، واستماتتهم في الدفاع عنه، وتذكرهم له حتى بعد هلاكه، على أنه كان شخصية موثرة قوية، سحرت أتباعها، حتى انقادوا له هذا الانقياد.
والذي يقرأ ما ذكره “الطبري” عن “مسيلمة” وعن صلة “نهار” به، يخرج بصورة تظهره شخصاً جاهلاً بليداً، يحركه ويوجهه “نهار” حيث يريد، لا يفهم ولا يعقل، ولا يعرف كيف يتصرف، ولا يتخذ رأياً حتى يشير عليه “نهار” به. “فكان نهار الرجّال بن عنفوة لا يقول شيئاً إلا تابعه عليه”. وهي صورة تخالف ما نقرأه عنه في الموارد الأخرى. ولو كان “مسيلمة” على نحو ما صوّره الطبري، لما التفت حوله “بنو حنيفة”، ولما استماتوا في الدفاع عنه. ولما ضحى “الرحال بن عنفوة” و “محكم بن الطفيل” وغيرهما بأنفسهم في الدفاع عنه. حتى أن منهم من بقي مؤمناً به حتى بعد مقتله، وتغلب المسلمين على اليمامة.
وقد عرف “مسيلمة” بين أتباعه ب “رسول الله”، وكانوا يتعصبون له، ويؤمنون به إيماناً شديدا.
انتهى كلام الدكتور جواد علي.

من السذاجة أن يعتقد المرء أن أحدا، بعد انهزام أهل اليمامة، يمكنه أن يتجرأ فينصف رحمن اليمامة أو يذكره علانية بكلمة خير.
كل ما روى عنه فهو كذب وتزوير وتلفيق تهم و تحريف و تحويل الحقائق إلى عكسها، وعلى العاقل أحيانا أن يعرف كيف يستنبط الحقائق من خلال الكذب.
مثلا ما روي عنه من أنه طلب من الرسول أن يشركه في الأمر أو أنه ارتد عن الإسلام إنما هي تهم ألصقت به لتبرير قتله لأنه كان عقبة أمام طموحاتهم و مشروع غزواتهم الظالمة.
الواقع أن رحمن اليمامة كان رسولا نبيئا في قومه ولد قبل مولد الرسول (ص) ونزل عليه الوحي قبل أن ينزل على الرسول ولم يكن قط منافسا للرسول (ص) بل كان مؤيدا له ومؤمنا بالقرآن الكريم وليس في الحديث الشريف ولا في القرآن الكريم ما يشير إلى عكس ذلك.
كان “مسيلمة” وقومه موحدين يعبدون الله باسمه الرحمن فجاء القرآن مقرا لطريقتهم حيث ذكر اسم الرحمن في القرآن أكثر من 48 مرة . أما قريش فكانوا ينفرون من إسم الله الرحمن ويعتبرون الرحمن إلاها لقوم آخر وهذا واضح من قوله :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا.
ونجد في “الدر المنثور في التفسير بالمأثور”:
أخرج ابن المنذرعن مجاهد، أن قريشا اجتمعت فقالوا‏:‏ ‏”‏يا محمد، قد رغبت عن ديننا ودين آبائنا، فما هذا الدين الذي جئت به‏؟‏ قال‏:‏ هذا دين جئت به من الرحمن‏.‏ فقالوا‏:‏ إنا لا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة – يعنون مسيلمة الكذاب – ثم كاتبوا اليهود فقالوا‏:‏ قد نبغ فينا رجل يزعم أنه نبي، وقد رغب عن ديننا ودين آبائنا، ويزعم أن الذي جاء به من الرحمن‏.‏ قلنا‏:‏ لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وهو أمين لا يخون‏.‏‏.‏ وفي لا يغدر‏.‏‏.‏ صدوق لا يكذب، وهو في حسب وثروة من قومه، فاكتبوا إلينا بأشياء نسأله عنها‏.‏ …
وفي تفسير القرطبي لسورة الرحمن نجد:
وقيل: نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر وهو رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله تعالى: “الرحمن. علم القرآن”.
مسألة “الرحمن” هذه تبين بكل وضوح أن مسيلمة والرسول ص كانا يستقبلان الوحي من نفس المنابع وأن أرواح الوحي عند مسيلمة وعند الرسول ص كانت على اتصال دائم فيما بينها وكانت على عقيدة الحنيفية.
لو كانت نبوءة “مسيلمة” كاذبة كما يدعون لما تخلف الرسول (ص) عن التصريح بذلك وتحذير أصحابه منه.
بأي ذنب قتل “مسيلمة” وأصحابه هل ظلموا أحدا؟ هل غزوا أقواما آمنة ظلما وعدوانا؟ هل عارضوا رسالة النبيء (ص)؟ لم يقوموا بأي عمل يستحقون أن يحاربوا من أجله، ولو كان الرسول لا زال على قيد الحياة إذ ذاك لما حاربه.
وقد اعترف الكاذبون ضمنيا بأن “مسيلمة” كانت له معجزات كثيرة وزعموا أن معجزاته كانت معكوسة وهم في الحقيقة من عكسها بعد موته خوفا من الحكام المتسلطين العسكريين المتدربين على القتال أحسن تدريب.
كل من تطورت لديه الطاقة الروحانية يكون قادرا على انجاز “معجزات” شبيهة بالتي حدثت للأنبياء و الرسل بغض النظر عن شخصيته هل هو نبي أم ولي أم ساحر فالظواهر الروحانية واحدة, فلا غرابة في الحمام الذي يطير بعد قص ريشة مثلا، وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي , ولا غرابة في ادخال بيضة أو شيء آخر في قارورة في الحين و من غير تدليس ولا غش، فذلك مما هو ممكن من الظواهر الروحانية وقد وقع من مثله ما لا يعد ولا يحصى، راجع كتاب النبهاني في كرامات الأولياء مثلا.
الغريب أن “مسيلمة” كان معاصرا للنبي (ص) من بداية الرسالة الى نهايتها ومع ذلك لا نجد له ذكرا في الحديث إلا ما قيل عنه من طرف قاتليه ومؤيديهم بأنه كذاب. في الحقيقة ليس في الأمر غرابة إذا تذكرنا كيف جمع الحديث وضاع منه ما ضاع وتذكرنا قول أبي هريرة : فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.
يقول ابن كثير في البداية و النهاية:
وقال ابن أبي ذيب: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. رواه البخاري من حديث ابن أبي ذيب ورواه غير واحد، عن أبي هريرة، وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق.
كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني.
انتهى كلام ابن كثير.
ترى من هو إمامكم الذي أشار إليه أبو هريرة؟ وهل قال ذلك قبل موت رحمن اليمامة أو بعده؟ وهل قاله فعلا؟
ربما يقول قائل: لو كان “مسيلمة” صادقا لعصمه الله من الناس ولما قتل، يكفي أن أذكر هنا أن اليهود قتلوا كثيرا من أنبيائهم بشهادة القرآن الكريم.

معظم الصحابة لم يكونوا راضين بما فعله أبو بكر

قال ابن كثير:

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قُبِض ارتد عامة العرب إلاَّ أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس ، ومنع بعضهم الزكاة ، وهَـمَّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فَكَرِه ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عمر رضي الله عنه : كيف نُقَاتِل الناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُمِرْت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عَصَم مِنِّي ماله ونفسه إلاَّ بِحَقِّه وحِسَابُه على الله عز وجل ؟ فقال أبو بكر : والله لأقاتلن مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها .
قال أنس بن مالك رضي الله عنه : كَرِهَت الصحابة قتال مانعي الزكاة ، وقالوا : أهل القبلة ، فَتَقَلَّد أبو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بُدًّا من الخروج على أثره .

وقال ابن كثير في البداية والنهاية :
وجعلت وفود العرب تقدم المدينة . يقرون بالصلاة و يمنعون من أداء الزكاة ، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق . و قد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم و ما هم عليه من منع الزكاة و يتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم : ثم هم بعد ذلك يزكون ، فامتنع الصديق من ذلك و أباه.
وورد في الأخبار أيضا أن أبا بكر كان يقاتل الناس على ترك أداء الزكاة إليه وإن كانوا معترفين بوجوبها. قالوا نزكي ولا نؤديها إليك فقال لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله.
وهكذا نرى أن أبا بكر كان يسترخص النفس التى حرم الله إلا بالحق فوجد من يعامله بنفس المعاملة فلم تدم له الخلافة إلا سنتين وثلاثة أشهر. “إنما هي أعمالكم ترد عليكم”. كان همه الوحيد هو جمع الزكاة من أجل السيطرة على جزيرة العرب والغزوات الظالمة. وما أظنه قتل إلا ثأرا لما فعله بأصحاب اليمامة، وما أظن قاتله إلا واحد من إتباع “رحمن اليمامة” الذين كانوا يستميتون على الدفاع عنه وعن أوطانهم وشرفهم. فالدفاع عن النفس والأهل والأوطان حق فطري لا ينازع فيه إلا جاهل أو طاغية.
وهكذا يتبين لنا أن اليهود ليسوا وحدهم من كانوا يقتلون أنبياءهم من أجل السلطة ولكن أبا بكر ومرتزقته فعلوها أيضا ودشنوها سنة لأتباعهم.

_________________________

المصدر: موقع خاص برد الإعتبار لمسيلمة وقومه،
بتاريخ 17 يناير 2010.

جميع الحقوق محفوظة.