فى غرفه شديده الظلمه ذات أرضيه رطبه ومتربه فتحت عيناى بصعوبه بالغه محاولاً تذكر ما حدث لى أو أين أتواجد , كل ما أذكر هو عودتى من المستشفى منهك تماما لأخلد فى الحال إلى النوم , كان يوماً رائعاً بقدر ما كان عسيراً فقلما تُجرِى عمليتي قلب مفتوح فى يوم واحد ويُكتب لك النجاح .
حاولت الجلوس بصعوبه وأنا أتفحص المكان من حولى حتى أُضيئت الحجره بغته ودخل علىّ كائن له وجه انسان وجسد ثعبان وجناحا طائر , رعشه خفيفه سرت فى أوصالى واتسعت عيناى فى خوف ورهبه وتَلَّجم لسانى تماماً فلم أستطع النطق , نظر الكائن إلى عينى مباشرة حتى ظننته ولج منهما إلى أعماقى ورعبى يزداد أكثر وهو يسأل بصوت هادر
- من ربك ؟ , زاد خوفى وحيرتى وتساؤلاتى , هل أنا ميت ؟ حاولت أن أسأله إلا أن صوتى لم يخرج ولسانى لم يتحرك وحاولت ثانية وثالثه بلا فائده , وأعاد الكائن سؤاله هذه المره بصوت مُزِجَ هدره بالغضب
-من ربك ؟ , استجمعت شجاعتى وهممت بأن أسأل عمن يكون هو لولا نظره متوعده قرأتها فى عيناه وكأنه قرأ ما أنا مقدم على قوله فأطرقت برأسى أرضاً وأنا أجيب
= لا أعرف لى رب .
بدا لى وجهه وكأنه سينفجر من الضيق وهو يصرخ : وما دينك ؟ فرفعت رأسى إليه فى تحدٍ قائلاً : الحب , السلام , العدل .
بدا وكأنه لم يسمع كلامى ولم يحاول استيضاحه وهو يسأل
وماذا تقول فى الذى بعث فيك ؟
وهنا انفجر غضبى وحنقى وتجاهلت حساب القوه بينى وبينه وأنا أصرخ بغضب
= لم يُبعث فى أحد ولا أعرف رسولاً ولا نبيّاً , فكلهم أغبياء مثلك .
وهنا ضحك هذا الكائن لأول مره وهو يشير إلى سقف الحجره قائلاً : انظر , هذا مقعدك فى النار ينتظرك فعد أيامك قبل العذاب الأبدى ,ثم أطلق ضحكه ساخره ورحل.

 

لابد أنى أحلم , لا هذا كابوس بلا شك , أى دين هكذا صح , الاسلام , لكن الاسلام هذا ملىء بالقتل والارهاب والاغتصاب باسم ملكات اليمين تاره وزواج المتعه أخرى , لا غير معقول أن ….
وفجأه دخل أحدهم إلى الغرفه , وبما أنى ميت لابد أنها القبر , استوقفته متسائلاً بغضب
-عَرِّف نفسك قبل أن تدخل
= أنا عملك جئت لكى أؤنس وحدتك
هذا ما كان ينقصنى , الله يبعث لى أحدهم لتسليتى , ولكن بما أنى سأبقى هنا برهه لأدعه يدخل , وعندما دخل هالنى منظره , هو أنا تماماً , نفس الطول , الملامح , الحجم , عدا اللون , لونه أسود وهذا أثار دهشتى
- ماذا سنفعل الآن
أجاب بصوت هادىء : سننتظر , قبل أن أستكمل : ولكن هذا الشىء الذى كان يسألنى..
فقطاعنى قائلا : انه ملك , أطلقت ضحكه قصيره عصبيه مستنكراً
- وكثيراً ما أشادوا بجمال الملائكه !!
= دعك منه الآن فأنت لديك ما يكفيك من المشاكل
نظرت إليه باهتمام وأنا أتسائل : مشاكل ماذا؟

= ألم تفهم بعد أنك حُكم عليك بدخول النار ؟
- لا دعك من هذا , الله سيفهم أسبابى بالتأكيد , هذا الكائن الغبى يشبه الآله التى لا تفهم سوى الحسابات , الله بالتأكيد سيكون …
قبل أن يقاطعنى مستنكراً
- إنى لأتعجب كثيراً كيف يدخل مثلك النار , أنت لم تؤذِ أحداً كغيرك , تصدقت كثيراً على المساكين دون انتظارٍ لجزاء , أنقذت حياة العشرات وكنت مثالاً للعمل والاخلاص فى مستشفاك , فكيف يدخل مثلك النار
= أشكر لك مجاملتى ولكنى أثق أنى لن أدخل النار , الله لا يُمكن أن يكون بهذا الجمود وتلك الآليه التى واجهنى بها الكائن السابق
لكن “عملى” نظر إلىّ وعيناه تموجان بالدمع : يبدوا أنك لم تفهم الله بعد .

 

مرت الأيام والسنين داخل القبر فى انتظار القيامه حتى اعتدت عليه كما اعتدت على ونيسى فى القبر الذى أعطيته إسماً , سميته “مؤنس” وألفته تماماً , احساس رائع  أن تناقش ذاتك والأروع هو أن تتجسد ذاتك فى صوره ماديه فتنتفى عنك صفة الجنون , ثم جاء اليوم الموعود والمنتظر , قامت القيامه .
ملائكة يسوقون جياداً وبأيديهم كرابيج , يمرون بها على البشر ليسوقونهم إلى أرض الحشر فى السعوديه , نظرت إلى السماء فلم أجد السماء ولا حتى الأرض هى نفس الأرض التى تركت , تحولت إلى كتلة مسطحه ولم يعد هناك سماء ولا فضاء , فقط الشمس , وحاولت أن أفهم وقارنت ما أرى بما حفظت من النظريات العلميه وقوانين الجاذبيه فلم أجد لموقفنا مثيل , ونودى بصوت جهورى أن حى على الحساب ومن فورى وجدت كتابا يُقدم إلى فالتقطته بِيُسراى وتفحصته , كتاب جميل ملىءٌ بالأحداث التى مرت بى فى حياتى , وهى قليله , ومع قليل من البحث وجدت كتابى لم يهتم بنجاحاتى ولا شهاداتى العلميه , لم يكترث بعشرات من عمليات القلب المفتوح , القسطره , زراعة القلب ومئات من معالجة الجلطات , فقط اهتم بتدوين خمسة أشياء كالتالى
1- هل مات على شهادة  أن لا إله إلا الله وأنا محمد رسول الله؟
لا .

2- هل أخرج الزكاه تقربا من الله؟
لا , لكنه كان يتصدق لا تقربا لوجه الله ولكن كما نظن نفاقا ورياءاً حتى يُقال عنه متصدق فلا أحد يُخرج من ماله دون انتظار للأجر .
3- هل أدى فريضة الصلاه؟
لا , لم يُصَلِ فى حياته سوى مرات معدوده
4- هل صام رمضان؟
صام رمضانين فقط فى بداية عمره ثم توقف عن الصيام تماماً دون عذر ودون كفاره
5- هل حج بيت الله أو اعتمر؟
نهائياً , رغم زياراته المتتاليه للسعوديه
فقط , هذا ما اهتم به هذا الكتاب اللعين , كيف يُحكم على الناس هكذا , أىُ معايير جائره هذه وأىُ إلهٍ مستبدٌ ذاك ؟
ونودى فى الناس , كلٌ ينادى باسمه فيقف بين يدى الله ويُسأل , وكل الأسئله متشابهه ..
لماذا أخرت صلاة يوم كذا , الزكاه لم تخرجها سنة كذا ..
وأنا الذى كنت أظنك أكثر عدلاً , كيف لكائن يُفكر هكذا أن يخلق هذا الكون ؟!!.
ومرت سنون طويله والحساب قائم وعرقى يرتفع حتى وصل إلى فكى , وأنا لا أُجيد السباحه ولا الصلاه لكنى طبيب , طبيب ساهم بمئات الأبحاث والعمليات فى تحجيم المرض وايجاد سبل العلاج , طبيب ساهم فى رسم البسمه على شفاه الالاف ورفع المعاناه عن عشرات الأسر التى تُعانى المرض والفقر بمستشفى خيرى , طبيب ساهم مع زوجته المُعَلِّمه فى تربية ولدين  أحدهما ضابط شرطه يعمل على تحقيق العداله ووقف الجريمه والآخر مهندس معمارى يرسم المدن والطرق والكبارى وبنت تنشط فى مجال حقوق الأسرى وضحايا التعذيب . كيف يغفل كل هذا وأكثر مما يطول ذكره ويصْعُب شرحه من أجل صلاة لا تُفيد وحجٌ لا يدفع للبشريه سوى بضعة مليارات تأخذها دوله فتغنى ويغنى ملوكها وأمراؤها فيُبَذرون أموالهم يُمنة ويُسره ويتركون ملايين الأطفال لا يجدون طعاماً ولا حتى ماء .
وهنا سمعت إسمى مُكَنَّى باسم أمى التى أفتخر بها كثيراً , وتقدمت إلى الله خاشعاً ثم وقفت بين يديه متحدياً , رافعاً هامتى غير مكترث لِمَ سيكون ولا مبالٍ بما سيُحكم علىّ , هو خلقنى ووهبنى عقلاً به فكرت واهتديت وللحقيقه أظننى وصلت .
فلو كان جزائى النار كونى كنت إنسانا
فأهلاً بالنار داراً وبالزبانية جيرانا