هذا المقال كان يفترض أن يُنشر في أغسطس الماضي لكن تداعت ظروف منعتني من نشره كان أساسها إنشغالي بالمسألة السورية و توجهي لكتابة مقال أول و أخير عن رأيي في الأزمة و بعدها أترك للمقادير الحكم آملا ألا يكون ظني صحيح ، هذا المقال يروي قصة أو لنقل حلقة من سلسلة إضطهاد الاقليات في الدولة العثمانية و التي تضاعفت بعهد حكومات الاتحاد و الترقي بدأ من العام 1913 و هو عام إنقلاب أنور باشا و سيطرة الاتحاديين تماماً على البلاد ، الآشوريين و الارمن و اليونانيين كانوا ضحايا الى ما بعد حرب الاستقلال التاريخية التركية 1919-1922 ، كان الآشوريون ضحية من ضحايا الصراع و كان الاتحاد و الترقي جناة لكن إنتقل الأمر من الأتراك إلى ورثة الأتراك فكما الكرد كانوا في صدام مع الاتراك إنتقل الصدام لورثة الاتراك بين ايران و العراق و سوريا و تركيا نفسها إنتقل الإرث المسيحي الاشوري أيضاً إلى الورثة العراقيين و كانت تفاعلات المملكة العراقية مماثلة لتفاعلات الجمهورية العراقية منذ عبد الكريم قاسم 1958 إلى اليوم في عهد لا أستطيع تحديداً نسبه إلى حاكم محدد ربما لأن حكم العراق كوكتيل خارجي و عشائري ، مذبحة سميل جزء من سلسلة الاضطهاد الآشوري و أمر أردته ألا يمر بهدوء فهو تذكير بمأساة شعب و حقيقة مرة في تاريخ العراق و تاريخ كل ورثة الامبراطورية العثمانية..

هنا و قبل البداية أشير إلى أن سياسات الحكومات لا ينبغي لها أن تكون معيارا لمحاكمة الشعوب فاكبر منظمة دعمت الارهاب و سلحته و خططت انقلابات و ارتكبت اغتيالات بالقرن العشرين هي المخابرات الامريكية ، و اكبر دولة سلحت ميليشيا و دعمت صراعات داخلية كانت دولة السوفييت فهذا شئ و الشعوب شئ و لا يمكن لنا حساب الشعب على حكامها..

من هم الاشوريون؟

الآشوريون عرقية تعود أصولها لبلاد ما بين النهرين تنتمي للعرق السامي ، يرتبط الاشوريون بحضارات عظيمة سادت شمال العراق منها حضارة بابل المعروفة و تعد اراضيهم الان مقسمة بين العراق و سوريا الحديثتين و تركيا و إيران ، تدين المجموعة الاشورية بالمسيحية و تتعدد الكنائس بين الكلدانية الكاثوليكية و بعض الطوائف البروتستانتية و الكنيسة الاشورية الشرقية (النسطورية)  و الارثوذكسية السريانية ، كانت بلاد الاشوريين محط غزوات كبيرة عربية و مغولية و تركية ارتبطت لاحقا بمذابح عثمانية (وهذا محل مقالي القادم إن شاء الله و لهذا لأن اتحدث عن الامر كونه يستحق مقالا كاملا) و أخرى من حكومات ما بعد العثمانيين بالعراق و ايران و سوريا مما دفع المجموعة الاشورية بمرور الزمان الى الهجرة في شتات لا ينافسه الا الشتات اليهودي التاريخي و الاخر الارمني و توزعوا بين القوقاز و الامريكتين و اوروبا في مشهد يجعلني آسف حين أسأل مجموعة من الناشطين التحريريين عن المسألة الاشورية فأجد أفضل رد ان هناك حضارة كانت في العراق اسمها آشور !!

خلفية المجزرة:

بسبب مجازر الاتراك في عام 1915 ضد الاشوريين (و هذا محل مقالي القادم إن شاء الله)  التي قاد جزءا هاما منها محمد رشيد بك (إنتحر 1919) إنتقل عدد كبير منهم لمخيمات اللاجئين في الحبانية و بعقوبة التي لاحقا ستصير جزءا من المملكة العراقية بملكية فيصل بن الحسين القادم من الحجاز كجزء من تسويات ما بعد الحرب العالمية الاولى ، إستقر المقام بأغلب الآشوريين في الشمال العراقي مع آشوريين عراقيين آخرين وسط محيط عربي كردي ذي خلافات كبرى داخليا و مع الاشوريين بحيث لم تقل الخطورة على حياة الاشوريين عن درجتها في جبال الاتراك ، كان الاحتلال البريطاني كالمعتاد يميز فئات عرقية أو مذهبية عن الاخرى فاستعان بوحدات آشورية شبة عسكرية للقيام بالمساعدة في قمع الانتفاضات العراقية (عربية و كردية إبان ثورة العشرين) ضد الاحتلال مما ولد نوعا من الضغائن القوية تجاة الاشوريين سواء شعبيا أو من الفرق العسكرية العراقية الرسمية (في موقف مواز تماما لموقف الاحتلال الهندي حين أتي بالمسلمين من الهند لبورما و إستعان بهم و بعد الاستقلال بات البورميين يعتبرون المسلمين دخيلا يتبع الاحتلال) مع المعاهدة الانجليزية العراقية الثانية التي منحت العراق الاستقلال 1930 و إتمامه بالفعل 1932 باتت المجموعات الاشورية تشعر بأن الخطر قد قفز للقمة و اعلنت صراحة أن الانجليز خالفوا الاتفاق بينهم بحماية الاقليات المسيحية أو على الاقل منحهم حقوق الادارة الذاتية العثمانية القديمة التي طبقت على المسيحيين بالامبراطورية طوال تاريخها ، كان الموقف الاشوري قد بات ملتهبا وسط عرقية عربية و اخرى كردية ووسط دين اسلامي يحيط بها ، تعددت محاولات الاشوريين للاستقلال بين سياسيين آشوريين و البطريرك شمعون الثالث و العشرون و حراك شعبي آشوري لتجنب مصير مشابة لمصير الارمن لكن حتى مع تصعيد الامر عام 1923 لعصبة الامم كانت الموازين الدولية المستقرة بين فيصل العراق و أتاتورك تركيا و شاة ايران لا تعطي فرصة للحل و لا توجد أهمية لها ، كانت آخر الحلول بعد استنزاف كل الطرق هي انتقال الوحدات الاشورية المسلحة لشمال العراق لفرض الامر الواقع و حماية الاشوريين من مصير بات مهيأ وسط مد عربي و قومي كبير بالدولة ، في النهاية وصلت الامور لنقطة الصفر حين تم رفض آشوري لنيل الجنسية العراقية من قبل بعض قادتهم المسلحين و في المقابل تم إعتقال البطريرك و نقله الى قبرص و اعتبار الاشوريين في النهاية مجموعة متمردة كالكرد تماماً و رفعت إنجلترا يدها تماماً من الصراع.

الشعار الاشوري للمذبحة..

 

 الحدث قبل المجزرة:

بدأت الحداث في يوليو 1933 حين قررت مجموعة من الفرق شبة العسكرية الاشورية الانتقال الى سوريا الخاضعة للإنتداب الفرنسي أملا في الحصول على دعم فرنسي مسيحي لهم ينعكس على الاوضاع في العراق ، فات المتسللين أن الوفاق الدولي قاعدة تاريخية حين تتم فالاقليات و اصحاب القضايا يدفعون الثمن كوفاق 1905 الذي دفع مصطفى كامل ثمنه بمصر ووفاق الانجليز و الفرنسيين بالحرب العالمية الاولى الذي قسم الهلال الخصيب ووفاق القوتين العظيمتين الذي جمد القضية الفلسطينية و الموقف العربي كله من منتصف الستينيات لنهاية السبعينيات ، قامت قوات الانتداب بأسرهم و نزع سلاحهم الا السلاح الخفيف ثم اعادتهم للعراق حيث حدثت مواجهات مسلحة مع فرق عراقية حكومية كانت أقل خطورة من نتائجها إذ ترامت الانباء بقتل مئات الجنود بدهوك (الخسائر الرسمية 33) و التمثيل بالجثث ، بدأت الواقعة و سالت الدماء وسط تأييد من متطرفين قوميين عرب و آخرين يريدون تخفيف الضوء الاعلامي على انتفاضة شيعية و اخرى كردية تدور بأقصى الشمال و أقصى الجنوب ، تحرك العميد بكر صدقي (قائد انقلاب 1936 العراقي الاقل شهرة) في 7 أغسطس رافعا شعار ابادة الاشوريين مرة للأبد متأثراً بخلفيته الكردية القومية التي تعادي القومية الاشورية ، تعددت وسائل الابادة للمدنيين بين التجميع في صفوف و اطلاق الرصاص و بين الدعس بالسيارات مع نهب منظم للبيوت و الممتلكات من المحليين بتشجيع حكومي و عسكري ( في موقف مثير للسخرية حين تسمع اليوم شيوخ يصرخون غضباً من احداث بورما !! ) و كانت نقطة هامة يوم 9 أغسطس بتحريك عشائر عربية لتستولي على ممتلكات و اراض الاشوريين و تقتل من تجده فيهم ووصل العدد حسب الاحصائيات المعلنة الى 62 قرية منهوبة و مدمرة و عدد كبير من القتلى و اللاجئين الى مناطق اهمها سميل محل المجزرة بالمقال و تم إحلال العشائر العربية و الكردية محلهم كما اسلفنا..

دماء سميل..

بمجئ يوم التاسع من أغسطس كانت حشود آشورية قد هربت الى بلدة سميل حيث تم نزع سلاح الآشوريين بواسطة مسئول مدينة كردية تسمى زاخو مرتبط بالعميد بكر صدقي ، إستمرت وفود من عشائر كردية و عربية تغزو المدينة و تنهب ممتلكات الاشوريين الذين كانوا قد صاروا بلا سلاح ليومين كاملين حتى مجئ يوم الحادي عشر من أغسطس بوصول قوات بكر صدقي التي قامت بإرتكاب مجزرة حقيقية بقتل كل المدنيين العزل في التجمعات الآشورية و رصدت حالات منتشرة لإغتصاب الآشوريات و حالات قتل لنساء حوامل مع قتل للأطفال (نفس منهجية الابادة الجماعية التقليدية) و كان الاذلال يشمل تعرية الفتيات و عرضهن امام الجنود العراقيين مع تعمد إبراز الصفة الكردية لإثارة مزيد من القلاقل بين الكرد و الآشوريين (نفس منهجية الاتراك في تجنيد عصابات كردية للإغارة على الارمن لإثارة العداء بين الاقليات لصالح الحكومة المركزية التي تنتمي لقومية مستقلة) كانت الاهانات تشمل التعذيب و التعدي على رجال الدين إن وُجدوا ، رصدت حالات حرق للإنجيل و التدنيس للأيقونات المسيحية (في موقف متكرر من الإنتهاكات الدينية بكل مكان بالعالم بشكل يجعل الامر في النهاية مثير للرثاء) و كانت المهزلة الحقيقية حين أتت وفود الحكومة الرسمية يوم 18 أغسطس لتهنئة القادة العسكريين بالنصر و كان من ضمنهم الملك غازي الذي لاحقا سيواجه انقلاب من العميد بكر صدقي و اقيمت احتفالات تشمل متعلقات للآشوريين القتلى و الزعماء المحليين -!- و في بغداد عقدت الاحتفالات بالانتصار في المعارك التي أصلا لم تحدث و كرم شيوخ العشائر الكردية و تم البدء في تهجير منظم للآشوريين من الشمال الى أي مكان بعيد و بالذات من الموصل ، في خلال عام واحد كان 15.000 آشوري قد فروا الى سوريا هربا من التعديات المستمرة و التجني على الارواح و الممتلكات ، قدر الاشوريين عدد القتلى ب 3.000 و قدرتهم حكومة بغداد ب 600 .

إلى اليوم تحيي التجمعات الآشورية هذه المذبحة ضمن ما تحييه من ذكرى القتل الجماعي العثماني و العراقي و السوري و الايراني و التركي الحديث لهم .. و مازال البعض منا صامت.

* زُر موقع حقوق الآشوريين من هنا، وهو أحد مشاريع شباب الشرق الأوسط.