لقد فشلت ثورة الخامس و العشرين من يناير في تحقيق مطالبها فارضة نتائج بعيدة كل البعد عن مطالبها و التي تمثلت في سيطرة المؤسسة العسكرية على مجريات الأمور منذ تنحي الرئيس السابق متحكمة في كافة سلطات الدولة متحالفة مع التيار الإسلامي الذي مرر الإعلان الدستوري ( مارس 2011 ) ليصعد بذلك الإسلاميين للرئاسة في مصر بفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي , و من قبل بإكتساح الإسلاميين السلطة التشريعية بحصول حزب الحرية و العدالة الذراع السياسي للجماعة على أغلبية برلمانية مريحه ليحل حزب النور السلفي الذراع السياسي للدعوة السلفية في الترتيب الثاني قبل أن يدخل البرلمان في صراع مع المؤسسة القضائية الذي أفضى بإصدارالمحكمة الدستورية العليا حكما بعدم دستورية مجلس الشعب وبالتالي حله كاملا.

تركت لنا تلك النتائج موازينا مختلفة للقوى السياسية تلخصت في ثلاثة قوى على أرض الواقع , قوى إسلامية و قوى مدنية و قوى ثورية , فالقوى الإسلامية تمتلك قدرة تنظيمية عالية على الحشد في ميادين مصر المختلفة ودعوني أذكر أن هذا السلاح تتميز بها السياسة في دول العالم الثالث فمن يستطيع الحشد له كل القوة , لها أذرع حزبية سياسية عالية الإنتشار متغلغلة في كل القرى و المراكز و النجوع في محافظات مصر , تعتمد على شخصيات دينية كبيرة لديها القدرة على مخاطبة العامة بل و التأثير في توجيه الرأي العام ناحية أهدافهم.

أما القوى المدنية فتعاني من مشاكل لا أول لها و لا آخر تبلورت في أحزاب قد ترهلت بفعل الزمن كحزبي الوفد و التجمع , أو أحزاب المعارضة المهلهلة التي إخترقتها الأجهزة الأمنية في فترة النظام السابق ليصبحوا الآن قياداتها يتحكمون في توجهاتها , أو الأحزاب الجديدة التي خرجت من رحم الثورة لتتخذ من اللاأيدلوجية أيدلوجية لها فضمت تحت طياتها جميع التيارات ليكتب لها الفشل قبل أن تبدأ , أو أحزاب أخرى قامت لتقودها المصالح الشخصية لتحقيق مكاسب شخصية ,قوى ضعيفة الإنتشار قد نرى تمركزها في مدن المحافظات فقط و تقل تأثيرها كلما إتجهنا لصعيد مصر , النخبة السياسية العاكسة للتيار المدني هي نخبة ضعيفة في توجيه الرأي العام متخبطة في قراراتها متأرجحة الرؤى.

والقوى الثورية تجمعت في ميدان التحرير و الميادين الموازيه في المحافظات المختلفه تكون أغلب تحركاتها بناءا على قرارات اللحظة و الظروف الطارئة , لا تحمل أجندات سياسية إصلاحية قصيرة أو طويلة المدى أو حتى بدائلا لمعالجة الموقف , تتلخص كل مطالبها في ” الرفض و الإسقاط و الإفراج ” بدون رؤية عن الكيفية و الآليات لتلك المطالب , تلك القوى التي بدأت في الإنقسام مؤخرا نتيجة لإختلاف الرؤى و تصنيف إختيارات البعض و تقييم مواقف الآخرين بناءا على بوصلتهم الثورية العاطفية هذا الأمرالذي أدى لخلق نوع آخر من الديكتاتورية المبرره بإسم الثورة ذلك المبرر أيضا قدم لنا الكثير من أشباه المثقفين و المراهقين السياسيين ليكونوا متحدثين بإسم الثورة و الثوار و يجيزوا للجميع إختيار هذا أو إستبعاد ذاك.

خاضت جميع القوى على مدار العام و النصف صراعات و معارك سياسية تتفق مع بعضها تارة على مطالب و أهداف في بعض الأوقات و تختلف أحيانا أخرى لتحتفظ المؤسسة العسكرية بكامل تماسكها و قوتها معتمدة على سياسة النفس الطويل في إخماد المعارضة ضدها و أكتفت بمشاهدة جميع الأطراف يتعاركون فيما بينهم ليخرج التيار الإسلامي الذي إستغل المبدأ الميكافيللي بشكل ممتاز لدعم مرشحها في جولة الإعادة التي جرت على مقعد الرئاسة و الحصول على دعم و تحالف البعض من النخبة السياسة مقابل وعود هلامية بالحفاظ على مدنية الدولة و الإستفادة من اللعب على وتر الرومانتيكية الثورية لدى قطاع عريض من القوى الثورية التي لعبت دورا مؤثرا في إنجاح مرشح جماعة الإخوان الإسلامي أمام ما وصفوه بمرشح النظام السابق برغم كل الوعود بل و الخطوات الإيجابية من الأخير لدعم مطالب الثورة و التأكيد على الحريات العامة و تدعيم الأقليات الدينية بشكل خاص.


ماذا بعد صعود الإسلاميين للحكم :

أصبحنا الآن أمام أمرا واقعا فلا فائدة مرجوة من إلقاء اللوم و مسئولية النتيجة على هذا و ذاك , عام و نصف من المواقف و التحيزات كافية للفرز , فلقد حان الوقت إلى خلق تيار ليبرالي علماني جديد مستقلا تماما لا يحمل أية تحيزات لأيا من تلك القوى الموجودة الآن , تيارا واضح الأيدلوجية متمكنا من أساسيات و مباديء الفكر الليبرالي و العلماني , فكفانا إستخداما لمصطلحات بديلة نختبيء ورائها كمفهوم الدولة المدنية التي بدأ الإسلاميون في تشويهه و أحيانا الإستفادة منها و تطويعها وفقا لمبادئهم بإقحام المرجعيات الدينية ذريعة لخلق جدليات و إشكاليات لا تنتهي في حين نظل في موقف الدفاع و التراجع خطوات عديدة إلى الوراء بدلا من التقدم للحصول على مكاسب سياسية في الشارع.

يجب علينا أن نؤمن بأن أهداف الثورة التي خرجنا نطالب بها و التي تتلخص في الحرية و العدالة و المساواة و إسقاط حكم المؤسسة العسكرية الذي ظل قابعا في الحكم لمدة تزيد عن الستون عاما و متغلغا في جميع مؤسسات الدولة لن تتحق إلا من خلال دولة ليبرالية علمانية تؤمن بحرية الفرد الكاملة و دولة القانون الذي يطبق على الجميع بدون تمييز فكل ذلك لن يتحقق بالتظاهرات و الإعتصامات فتلك مجرد أدوات مكملة و ليست الغاية و الهدف و لكنها ستتحقق عن طريق صراع سياسي إصلاحي في المقام الأول و العمل على إعادة خلق مجتمع مدني قوي قادر على الوقوف ضد سلطوية الدولة و إستبداد العسكر.
فلتحقيق هذا الصراع السياسي القوي يتوجب أولا على الأحزاب الليبرالية و المدنية القائمة أن تعيد هيكلة تنظيماتها الداخلية بشكل يسمح أن تقدم للقيادات الشبابية فرصا أكبر في صنع القرار بداخلها و الإهتمام بتوسيع قواعدها و إستخدام كافة إمكانياتها في توجيه رسالتها السياسية بصيغة مؤثرة مبسطه لعامة الشعب المصري و الإستفادة من ذلك في إستمالة القوى الثورية تمهيدا لضمها لتلك الكيانات و خلق قيادات منهم و تصديرها للعمل الحزبي , فقد حان الوقت لنقل الثورة من فوضوية الشارع إلى الحياة الحزبية السياسية المنظمة.

الرفض التام للإعلان الدستوري المكمل و الذي يجعل المؤسسة العسكرية مؤسسة مستقلة فوق قوانين الدولة و بالتالي غير خاضعة للرقابة فالطريق هنا لن يأتي أبدا بأن نتحالف مع الإسلاميين ليتم إستخدامنا كأدوات لتحقيق مكاسب سياسية لهم فقط فخلق جبهة ليبرالية قوية قادرة على تنظيم صفوفها لمواجهة الأحزاب الإسلامية و إنتزاع تلك الصلاحيات من المؤسسة العسكرية بالطرق السياسية السلمية سيعزز من مكاسبنا.

إعادة إنتاج النخبة السياسية التي صنعها النظام السابق و لمعتها الأجهزة الأمنية في مصر و صدرتها للشعب على أنها المعارضة , تلك النخبة الذي لا يتعدى تأثيرها الصفر على توجهات الرأي العام و الشارع المصري هي السبب الرئيسي في دعم حالة عدم التوازن و التخبط السياسي , نعم فقد حان الوقت لصناعة نخبة سياسية ليبرالية وعلمانية حقيقية من شخصيات لها مرجعيات فكرية واضحه و أسس أيدلوجية سليمة لا تحركها المصالح الشخصية و الأموال السياسية , فنحن من يصنع النخبة و ليس العكس.

عدم الإنحياز إلا للمرجعية الأيدلوجية هي التي رجحت كفة القوى الإسلامية على طول الخط بالإضافة إلى جانب بعض العوامل المجتمعية الأخرى , فوجود تيار مضاد لهم في القوة و التأثير هو الحل الوحيد لخلق حالة من التوازن بين القوى الفكرية , أما التخبط الفكري الذي كنا نعيشه و ما نزال و الإلمام بقشور الأمور هو ما جعلنا نخسر المعركة الفكرية بسذاجه متناهية , فالعواطف الثورية و الإفتقار إلى المنطق في تحليل المدخلات السياسية هي أيضا ما جعلتنا مترددين في حسم المواقف خوفا من خسارة دعم القوى الثورية التي كان يلعب الجميع على إستمالتها.

للأسف سيتذكر التاريخ كم كان التيار الليبرالي ساذجا و لن نجد موقفا واحدا بخلاف موقفنا المعارض للإعلان الدستوري في مارس الماضي , و لكن ما زال أمامنا الوقت لترتيب صفوفنا و تنظيم معارضة قوية ضد الإسلاميين قبل أن تتحول مصر تدريجيا إلى دولة دينية فاشية و نحن نكتفي بالمشاهدة من بعيد.

 

المقال منشور أيضا على المدونه

http://in2mins.blogspot.com/2012/07/blog-post.html