منذ خطاب رئيس أقليم كوردستان مسعود البارزاني في منتصف الشهر آذار / مارس الماضي، تعيش أقليم والدولة العراقية بشكل عام في صراع على عديد من الأمور أهمها القوانين غير مشرعة و تقسيم السلطات بين الكتل السياسية التي أتفقت على صيغتها نوعاًما والتي سمي بـ(أتفاق أربيل).

قبل خطاب البارزاني يوم 20 آذار / مارس، كان من المفترض أن يلقي رئيس حركة التغيير المعارضة (25 مقعد برلماني في كوردستان) نوشيروان مصطفى خطاباً حول بعض الأمور في الأقليم والعراق، لكن بدون سابق وأنذار أُجل الى يوم خطاب رئيس الأقليم!.

تطرق مصطفى الى نقطة جوهرية وقال فيهِ بالحرف الواحد بإن “إعلان دولة كوردية لاتأتي بكلام أو إتفاقات جانبية بل إنها كبيت يحتاج الى أساسات متينة و أجتماعية “.

والمغزى الحقيقي في كلامهِ إنه لو أعلن اليوم ( المقصود يوم القاء الخطاب بمناسبة عيد نوروز) مسعود البارزاني دولة كوردية فنحن لسنا معهُ ونعمل على إفشالهِ.

ولكي أضع القاريء في الصورة الكاملة، كان الجماهير الكوردية بأنتظار خطاب رئيس في عيد القومي الكوردي نوروز، وظن الكثير بإن رئيس الأقليم سيعلن البشرى الكبرى بإعلان دولة كوردية وحتى الإشاعات أكدت ذلك. كونهِ ذكر في ايام سابقة لذلك اليوم بإن مصير الكورد معلق في هذا الشهر والبشارة الكبرى ستكون في هذا الشهر أيضاً.

وكلمة (هذا الشهر ايضاً) كان مجازياً ومقصود منهُ أنه سيأتي يوم يعلن حق تقرير المصير في شهر آذار / مارس، ولكن ليس في هذا العام. قد يكون في الأعوام القادمة ربما. ووضح البارزاني كلامهِ للجماهير بأنه قصد ” هذا الشهر ” اي نفس الشهر ولكن في وقتٍ لاحق أو في مستقبل القريب.

وحركة التغيير الكوردية المعارضة تنتج سياسة خلق الأزمات و تفعيل الصراعات السياسية و تفكيك الصف، كما إنها تعمل من أجل رصد الحشد لجانبهِ في الأوقات الهادئة. أني أشرت اليها في مقالاتي السابقة ونُشرت باللغة الكوردية بإنه أيضاً يعمل وفق مخططات دول أقليمية مؤثرة من أجل فرض حالة الأمر الواقع على الحكومة والأحزاب الحاكمة.

حق تقرير مصير للشعب الكوردي حق لايمكن نكرانهِ أو ربطهِ بجملة صراعات أخرى لاتربط بهذا الشعب بأي صلة، فكثيراً مايتهم الأكراد بالعمالة للغرب أو لإسرائيل عند تباحث حول مصير شعب وحقهِ في عيش بأستقلال.

المجتمع الكوردي بكبيرها وصغيرها بات يتطرق الى حق تقرير المصير أكثر مما سبق ولاضرب عرض الحائط كل من له رأي آخر غير استقلال وأنها تعمل من أجل إدراجها ضمن فعاليتها ونشاطات الأجتماعية والفكرية و حتى التكلم الى مابعد إستقلال كوردستان.

السؤال الأهم قد يشغل كثير من الناس لماذا ظهرت حق تقرير مصير فجأة بدون سابق أنذار أو لماذا اليوم يطالب البارزاني بتحديد وقت زمني معلوم لتنفيذ بنود أتفاقية أربيل وتطبيق بنود الدستورية في العراق وهو يعلم جيداً بإن حكومة بغداد المركزية لايفعل والتهديد بالرجوع الى مطاليب الشعب الكوردي بإعلان حق تقرير المصير؟.

والجواب على هذا السؤال علينا توضيح عدة نقاط أساسية مهمة في العراق:

منها عندما ترى كوردستان بغداد يطارد شراكاءه السياسيين من السُنّة و تعطيل كثير من القرارات والأتفاقيات بين الأطراف السياسية التي شكلت الحكومة الحالية، كما إنها تقوم بشراء الأسحلة الثقيلة والمتطورة مما يذكر الكورد بأيام الخوالي عند بدء الأنظمة المتتالية بشراءها وأستخدامها على الشعب الكوردي وتتبلور فكرة القوة المركزية لدى بغداد وسيطرتها على جغرافية العراقية.

ثانياً تغيرت التوازن الأقليمي في المنطقة منها الصراع الداخلي السوري و ضعف إيران أقتصادياً أمام العقوبات الدولية المفروضة عليهِ، وتقارب أنقرة أقتصادياً وسياسياً من إقليم كوردستان وأخيراً ضاق ذراع الأطراف الكوردية بعدم حل مشكلة كركوك والمناطق المتنازع عليهِ وفق المادة 140 من الدستور وتلكؤ بغداد بتنفيذ بنود المادة.

النقطة التحولية في القضية هي حالة شركة إكسون موبيل العملاقة في مجال النفط ووجودها في إقليم كوردستان الذي وقع بين مطرقة بغداد وسندان اربيل.

حسب خبرتي وتوقعاتي أظن أن رئيس الأقليم بعد زيارتهِ الأخيرة الى واشنطن أبلغ مسؤولي الشركة بأنهم قد يُحرَمون من المشاركة في المستقبل أو بعد الأستقلال. ولهذا نرى إستمرار الشركة بعملها في مجالي الطاقة والنفط في كوردستان.

كما دخل كوردستان الى مرحلة مابعد الفدرالية وأبتعد كثيراً عن قرارات بغداد سياسياً – أقتصادياً وحتى أمنياً ناهيك عن الحالة الأجتماعية الفارقة بين (أربيل وبغداد).

الجيل الحالي من الساسة ليسوا أجيال السابقة لاتعرف السياسية سوى في الإعلام أو الكلمة الطيبة صدقة، وإنما تعلم السياسية وإدارة الدولة وكثير من القادة السياسيين من كل الأطراف والتوجهات الفكرية تعمل وعملت وفق المعطيات الموجودة في الساحة وتعلم فن وأصول اللعبة السياسية. وتطالب بوعود ملموسة وموقعة من المقابل.

هناك مفهوم رائج في الواقع لدينا وهي ” تطلب كبيراً تحصل أقل، وعندما تطلب أضعاف أضعاف تحصل على شيء كبير”. واليوم نطلب الأستقلال قد نحصل كونفدرالية أو فدرالية مع سلطات كثيرة ).

جوهر كلامي حول حق تقرير المصير و الصراع السياسي في الأقليم هي …كثير من الكُتًاب والمحللين الكورد وغيرهم ينظرون الى هذا الفكرة كعملية فاشلة وغير قابلة للتطبيع أو أنها منقذنا الوحيد قد لايكون هذا صحيحاً أو وهماً بل يمكن أن يكون طرفي الفكرة صحيحة وكما للجبهة أولية عذر بأن “للكورد أعداء كثيرة قد لايستطيع التصادم معهم سوياً وبالتالي سيكون مصيرها السقوط والفشل”، والجبهة الثانية وأنا منهم  ينظرون اليهِ “بإن تأسيس الدولة تحت أي مسمى أو ذريعة قد تكون ضيعفة كجنوب سودان أو تكون متوازنة كبعضٍ آخر”، ويمكن أستغلال موارد البلد أو الأتفاق مسبق حول كيفية إدارة الدولة.

نعلم جيداً في السياسية لايوجد أعداء دائميين أو أصدقاء أبديين بل مصالح مشتركة، وهذا المصالح هي الأقتصاد وتحت شعر ” بزنس أز بزنس”، قد يمكننا العيش في ظل الصراعات الدولية. ننأى بنفسنا عن بعض الأمور الدولية الى تثبيت موطىء قدمنا.

تنفيذ هذا الحق لايعني بإن كوردستان خالية من المشاكل أو أنها جاهزة لكي يجلس على مقعد الأمم المستقلة في الأمم المحتدة، بل لديها طراعات داخلية بين أطراف القوى وبالذات بين الحكومة والمعارضة، وهذا المعارضة لديها مشروعها الخاص و لاتريد أن تكون عملية الأستقلال أو الأنفصال عن العراق تدخل في جيب اطراف في الحكم. وتعمل جاهدةً أن تؤخر أو تفشلها على أقل تقدير لكي تكون لها الرأي الناهي والآمر في هذه العملية. أو على أقل تقدير مصالحها لاتسمح اليوم أن تؤيد هذه فكرة حالياً لأنها متربطة أجندات أقليمية منها أنقرة و طهران.

صحيح إن جميع الكورد كبيرها وصغيرها مع الدولة الكوردية ولكنها ضد طريقة إعلان أو كيفية الإعلان، وأبسط الخلاف من بعض منظورات السياسية في الأقليم وابدءها بمنظور (حركة التغيير) الذي لايعطي الحق للبارزاني حتى كونهِ رئيساً لأقليم كوردستان الإعلان عن دولة كوردية مستقلة بل ترى هذا الحق للبرلمان الكوردستاني. لأنها ترى قوتها ومصالحها من ذلك المنظور البرلماني.

أما بالنسبة للأسلاميين فلهم منظور آخر لذلك القضية وهي إنهم مع الأستقلال وإعلان دولة كوردية لمن اليوم غير مفيدة لأنها لاتتماشى مع مصالح دول الأقليمية و الدولية “فيجب التريث قليلاً لنرى ماتؤول اليهِ الربيع العربي والأحداث في الشرق الأوسط”.

أما منظور الأحزاب الحاكمة في الأقليم فهناك وجهتان مختلفتان في الحقيقة أولها (الأتحاد الوطني الكوردستاني) الذي يطالب بأن يكون قضية إعلان دولة كوردية بتشاور مع رئيس الجمهورية جلال الطالباني كونهِ أمين عامها ومؤسسها. أما (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) الذي يتزعمهُ رئيس أقليم يصرح بإن الرئيس الأقليم هو مخول الوحيد لهذا القرار مع تشاور مع بقية لإعلان هذا القرار كونهِ أُنتخب مباشرة من الشعب وله الحق والسلطة في هذا المجال.

هناك محفز آخر لهذا الفكرة  بإن الوضع العراقي المتأزم يوماً بعد يوم ، مما قد يثقل كاهلهِ أقليم الشمال ويؤخر تطورهِ كثيراً، وأبتعادهم عن ي الصراع الدائر بين السنة والشيعة وأختيار موقع المراقب قد يؤدي في المستقبل الى جرهم الى عمق الصراع و تنقلب العملية الى صراع عربي كوردي و هكذا قد يخسرون كثيراً.

السؤال الجوهر لكلامي هل من الممكن أن نؤسس دولة مستقلة في ظل صراع سياسي داخلي وعدم التأثر مجريات الحداث في الشرق الأوسط أو في العراق؟.

لايمكن التنبؤ لكن يمكننا أن نتكهن بإن كوردستان لايمر آمناً في الدرب الصحيح الإ بعد مرور سنوات قد تكون طويلة أو تكون قصيرة حسب مزاج العام للمجتمع الكوردي، كوني من مؤيدي الدولة الكوردية ولكن لايعني أن اكون من مطالبين بخلط كل الأوراق يدي في لعبة الدولة الكوردية قد لايكون منفذ نجاتي يمكن أن يكون فخاً لايمكنني الخروج منها.

[email protected]