متربعة على الأرض وحولي كثير من الوسائد…أحتسي “الجَبَنَة”…مستمتعة بطعم الزنجبيل و الغورينجال…أتفرج على “أليس في بلاد العجائب”.. أراقب و أنا ممسكة “بالريموت كونترول” تأكيدا للإمساك بزمام الأمر؛ خدعة ايحائية تُستعمل كبرمجة لنفسيتك؛ و لكن الممتع إحساس القائد عندما تكون أنت المُبَرمِج… سوف أصب كوبا آخر من الجَبنة … لا.. لن افعل.. صنع “التِنَة” سيفوّت علي الحلْقة… ها هو هامتي دامتي على حائطه,,لكم يغيظني هذا المخلوق البيضاوي: هل هو حقا بيضة؟!..اذا كان الأمر هكذا؛لماذا يعتلي الجدران؟..ألا يخاف أن يقع فيتهشم!!!…هيهيهيهي..انها حقا بلاد عجيبة,فليمنعه أحد…أنمْنِم :هو حر..و لا زلت ممسكة بالريموت كونترول.

فجأة طُرق الباب..فتحت…وجوه سمحة…أزياء أنيقة..شعور مرتبة بأفخر أنواع “الجل” في كل المناطق أعلى الرقبة. هل هذا منزل نضال سامي؟..نعم أنا…نحن مندوبي مبيعات لإحدى شركات مساحيق الغسيل…و مساحيق الماكياج و مساحيق أخرى…أهلاً و سهلاً…تفضلوا نتحدث في الظل…الشموس في الخارج تزغلل العيون فقط و ليس لها دور غير الإذابة والحرق وكل وسائل التلاشي..كانت في السابق قبل “عهد الإحتباس الحراري” سودانية حميمة تحتاجها الكائنات للنمو و الإستنارة.

بدأوا يتذمرون من الحر في الداخل!

إفتحي ال ؛آيه سي؛
عفوا ليس لدي تكييف للبيت
فجأة لاحظت تغييرا في أشكالهم..فركت عينيّ فربما هذا من كثرة الكافيين! أو البحلقة في شاشة التلفاز و انا ممسكة بالريموت كونترول!

ما هذا؟!!!!!..لا..لا..مستحيل ان أفقد السيطرة على عقلي..مستحيل!!!!!…لكن لماذا يتحورون إلى مخلوقات أخرى؟!!!!…يمتسخون!!!!!!!!!!!

أنا خائفة..مرعوبة..بل مذعورة…أبحث عن صوتي…فقدت السيطرة على صوتي!!..يقتربون و قد تحولوا إلى هلام مقرف..يمدون أذرعهم و أصابعهم المليئة بالدمامل…لست أكيدة في أن ما بداخل تلك الدمامل بكتيريا أم شيء يخص بيئتهم!!…حاولت أن أهرب و لكن ثمة فرق في التوقيت الداخلي بين إرادتي و التنفيذ…إلتفوا حولي, فتحول الذعر إلى شيء يعرقل دخول الهواء و إستثماره داخل رئتي.

الأمر يزداد سوءاً…أتنفس بصعوبة رائحتهم المُنَتِّنَة للهواء…أصواتهم النكراء التي تتكاثر مع تكاثرهم , أزْعَجتْ الجيران الطيبين حتى توجهوا ناحية بيتي-بيت أسرتي التي ذهبت لتبارك زواج بنت أحد معارفهم لشخص يشبه النمر فقط لأنه مُهَرمَن!- تجمهروا ليكتشفوا حقيقة إفتراضاتهم…فوجدوا مخلوقاً مخاطياً يمسك برقبتي..و يذيب إفرازات دمامله المنفجرة في جروحي النازفة… و هو يصدر صوتاً بمتعة و تشفٍ و لكنه ليس ضحكاً ، فالضحك مؤنسن و لا علاقة له بمخلوقات أخرى.

مختنقة ..جحظت عيوني و يسهل عد شعيراتها الدموية و هي مركزة على الجيران, علّهم يتحركون..يهتزون .. هم من لديهم “ريموت كونترول” وليست أنا…ماذا ينتظرون , أن تقف هذه الأشياء على جثتي؟!!!

ظهر أحد الخائفين من الجيران و تقيأ قصيدة.. بل شيئا به مباضع وإمكانيات أخصائي “بلاستيك سيرجري”, و أنفه يستطيل و يستطيل حتى إرتطم بالجدار الذي يبعد أربعة أمتار و إلتوى ليستطيل بالإتجاه المعاكس…و هم يجهرون بذلك الصوتِ مكان الضحك, بمتعة و تشدق حتى بدأ آخرٌ من الجيران بالبكاء حتى القهقهة! شر البلية ما يضحك!..فاستغلوا حالة الهستيريا الطارئة هذه ليأمروا برميه في ؛ مَعَلّة عقلية؛….و لكن قبل التنفيذ قُطع التيار الكهربائي في المنطقة وتوقفت المروحة الكهربائية التي تحسرت في تلك اللويحظات الدهور على انني لم أستخدمها للإنتحار قبل هذا الإنهيار و الدمار للكنترول الذاتي الخاص بي.

لكن إصرار الشمس بأن ترسل حرارتها و تستغل كتمة الغرفة لتثبت الجانب المشرق للإذابة و الحرق أثّر حقاً ..فبدأوا يتلاشون..يذوبون أمامنا و أمام الشخص “الأفقي السطحي”, المفترش أنفه الملفوف ليتوكأ عليه وظهره للأعلى حتى أرجله إرتفعت و لكنه مسطَّح, أفقي!

لقد ذابوا مثل حذاء الكاوتشوك القديم في “كوشة محروقة”.. و فقد ذلك الشيء داخل الدمامل مفعوله…الرائحة تتلاشى و لكن ببطء.

وجد الأكسجين سِكّته و أعادت الرئتين تأهيلهما… أنا حرة..طليقة! …قهقهت قهقهة الإنعتاق, و أنا أنظر إلى القوم المبتهجين و كأنما كُشِحت فيهم البهجة..و كأنما عارهم قد تلاشى أيضاً!!

قهقهت حتى العويل, فإدراك الإنعتاق ينبِّه الغبن! و لكن ليس بيننا من يرسلني إلى مَعَلّة أو أي مَجَنّة او أي مكان آخر.

بدأت صيحات كصيحات الإنسان البدائي الحجري عندما يندهش أو يكتشف و لكن ليس عندما ينكسف!!…و عندما إلتقطتُ هتافهم بتمييز و جدتهم يتحسفون و يتلولون بأكثر من لو ..و لكنها تفيد جملة واحدة :يا ريت كان ولّعنا لينا حاجة من الأول,,كانوا تلاتة,و بعدها ملوا البيت كله!!و الغريبة كل شيء متمسحين بيهو و ملمّعين بيهو قابل للإشتعال!!!!!

ليتنا أشعلنا شيئا…ليتنا أشعلنا شيئا…لينا اشعلنا شيئا!

————————————————————————-

مفردات للشرح:

جَبَنة: يعني قهوة بالعامية السودانية؟

التِنَة: مفردة يفهمها كييفي الجَبنة و هي اضافة ماء للمتبقي في الكنكة-الغلاية- ليغلي و يشرب كدور تاني لطقوس قعدة التقهوج ؛)ا

غورينجال نوع من البهارات التي تضاف للقهوة و العرقسوس و المأكولات.

مُهرمَن: مغذى بهرمونات اضافية. إشارة للمصطلح القديم “للقطط السمان”

كُوشة تختلف من كوشة الأعراس…هذه الكُوشة عبارة عن تجمع للقمامة و النفايات و أكياس النايلون في كثير من الأماكن المهملة و المهمشة من البلديات.

استطالة الأنف كمان نعلم رمز للكذب استهلكناه من بعد شخصية الكاتب كارلو كلودي الشهيرة من ديزني “بينوكيو”.

* اللوحة المدرجة, رسمتها يناير 2010 على الكمبيوتر بيدي المكسورة في المظاهرة السلميةالتي نظمها عدد من الأحزاب السياسية مع منظمات المجتمع المدني والحركات المعارضة المتوجهة للبرلمان لإلغاء قوانين مقيدة للحريات ولأجل إنتخابات نزيهة, ديسمبر 2009