نعرف العراق وماذا أصابه من ويلات وحروب ودمار البنية التحتية و حتى البنية الأجتماعية للعائلة العراقية ، وكيف أصبح المواطن العراقي في الماضي مشرداً بين الدول العربية والأوروبية.

لكن بعد 2003 تغيرت الموازين و أستطاع الشعب العراقي بكل أطيافهِ وألوانهِ تنفس صعداء بأنهيار النظام الدكتاتوري الذي دام حكمهِ أربعة عقود منذ (1986- 2003) وقبلها كانت الأنظمة دكتاتورية ولكنها لم تستطع أن تعيش طويلاً بسبب الأنقلابات المتتالية، وهذا النصر لم يدم طويلاً إذا بدأت المشاكل بظهور منها السياسية والأقتصادية وحتى الأجتماعية بين طوائف المتحالفة والمتخاصمة في آن واحد.

ظهور نظام سياسي توافقي جديد مبني سياسة تقسيم السلطات بين طوائف ومذاهب العراقية والكل حسب قوتهِ وموقعهِ الأجتماعي في البلد. وأكتشف الشعب أول مرة طعم الحرية الأختيار و تصويت حسب الأختيار وتعلم كلمة ” مخُيّر” وليس ” مُسّيَر” الذي كان رائجاً وسائداً في زمن نظام البعث.

كما لم يدم الفرحة السياسية والديمقراطية الوليدة الذي أظهره خبراء الغرب بل ولد مشاكل تلو الأخرى، والمشاكل السياسية معلومة للجميع تبدأ بفقدان الأمن الى خروقات كبيرة في مجال حقوق الأنسان والمواطنة والأختلاسات، وحتى في مجال الأستخبارات هناك خروقات على أعلى مستويات الدولة وأصبح المعلومة الأستخبارية تَتجار بين مؤسسات الدولة والأحزاب والأطراف السياسية.

المشكلة الأقتصادية حدثٌ ولاحرج فيها الكهرباء في اليوم الواحد أصبح ساعة وعقود وهمية لتوليد الطاقة ومليارات دولارات تختفي كما يختفي نسيم الربيع في الصيف، وفقدان المواد الصحية في المستشفيات. وأصبح حاجات المواطن تباع في الأسواق السوداء وبعلم الدولة.

أما من ناحية العمل والوظائف فأنها شاغرة لحاملي برقيات مسؤولي ذات شأن عالي أو صديق في جهة حكومية ذو نفوذ كبير في قطاعات الحكومية، ولايوجد لمكان من لايعرف أحداً سوى  ربهِ وعليهِ الأنتظار في الطابور الذي يصل طولهِ الى الآف كيلومترات.

واليوم بعد مرور تسعة سنوات على سقوط الصنم الكبير في 9 نيسان / أبريل 2003، علينا مراجعة ماذا فعلنا وماذا اكتسبنا من سقوط وأحتلال وخروج القوات الأمريكية من العراق، كما يجب دراسة أتجاهات السياسية للدولة الحديثة التي تدار من قِبل السياسيين في بغداد.

العراق يختلف كلياً عن كل المجتمعات الأخرى من ناحية الجوهر و من ناحية المظهر، شخصياً لاأتفق مع من يقولون إن العراق هو أمتداد لتاريخ الشعوب الشرق الأوسط أو إمتداد لتاريخ الأسلام في المنطقة.

لأن هذا البلد منذ القِدم اختلف فيما أتفق الآخرون وأتفق بعدما أختلف الآخرون وكان دوماً يسير عكس التيار السياسي الرائد في مجالي الأقتصادي والأجتماعي، اليوم أيضاً كما كان أول من زرع بذرة التغيير في المنطقة سيكون أول من يحصد ثمرة  الدكتاتورية ولعدد من الأسباب سأوضحها في كلامي هذا.

المجتمع العراقي منذ تأسيس البلد في 1921 كان تأسيسه مَبني على أُسس غير صحيحة بدمج أمم وقوميات وطوائف في إطار بلد لم ينضج أجتماعياً وسياسياً وحتى ألأقتصادية.

قرآبة قرن من تأسيس هذا البلد الى يومنا هذا، شعوب العراق لم يرى نور الحرية والديمقراطية وحتى لو استنشقها فكانت قصيرة فيرجع الى نزعتهِ وقوقعتهِ الدكتاتورية.

بوادر هذه الدكتاتورية ظهرت للعيان بشكل كبير بُعيد الأنتخابات الأخيرة لمجلس النواب في 7 آذار / مارس العام الماضي، عندما أبى « نورى المالكي» رئيس الوزراء الحكومة المنتهية ولايتهِ أن يسلم كرسي السلطة الى قائمة الفائزة بالأنتخابات التشريعية، وكما أظهر القائمة العراقية تعنتهِ على القانون واراد السلطة التنفيذية المتمثلة برئاسة الوزراء بكل وسائل، كما فشلت كل التوصيات الأمريكية البريطانية لتقارب بين القائمتين « دولة القانون » يرأسة المالكي و « العراقية » يرأسه رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي.

وصلت الأزمة الى حافة التفجر و طُرحت الأفكار والمطالبات بإعادة إنتخابات التشريعة مرة أخرى، من هنا ظهرت بداية نهاية الديمقراطية الوليدة التي وضَع دول التحالف بذورهِ. الى أن استقر الحال ببقاء رئيس الوزراء الحالي في منصبهِ مع تشريع قانون جديد يخول منافسهِ باستلام منصب يستحدث من أجلهِ (وهذا المجلس لم ولن يرى النور).

كما في مقالاتي السابقة أشرت الى دكتاتورية شخصيتين المذكورتين وبوجوب تحجيم سلطتهم السياسية في الحكومة بتشريعات مشددة.

المالكي ذو مناصب متعددة منها “رئيس حزب الدعوة الأسلامية العراقية ورئيس قائمة دولة القانون ، رئيس وزراء ووزير الداخلية والدفاع و الأمن والوطني وقائد قوات المسلحة ومشرف على بنك المركزي العراقي”، في بعض نقاط أشبهه برئيس روسيا (فلاديمير بوتن) في أولى ايام تسلمهِ السلطة كيف كان يتصرف مع السلطة ومع مرور الزمن كيف استطاع أن يتشبث بالسلطة و بناء شبكة من موظفين تابعة لمكتبهِ أو لشخصهِ بالأحرى.

بداءاً بترتيب أوراقهِ السياسية و لعب على مستوى آخر باشر بنائبهِ (صالح المطلك) عندما وصفهُ ” بدكتاتور لايختلف عن صدام شيئاً “، مما أمتعض من ذلك التصريح و نُشِر حينها بإنه طالب البرلمان بسحب المطلك من مجلس وزراء أو يستقيل من منصبهِ.

هل كان حقاً المالكي أراد الأستقالة ؟. أم أنه ليس بذلك الغباء لكي يضحي بمنصبهِ من أجل كلمة ” دكتاتور” أو وصفهِ بـ”صدام حسين”. بل لعبتهِ أكبر من ذلك وقام مما نراه اليوم بتصفية قيادات السنة و تفكيك جبهتهم الموحدة المتمثلة بقائمة العراقية و إبعاد أكثر شخصيتهم مقبولة في الساحة السياسية عن طريق مصباح علاء الدين والجن الأزرق ” القضاء ” الذي أصبح جزء لا يتجزأ من ماكينة عمل المالكي ولصق تهمة الأرهاب بطارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية و إصدار مذكرات الأعتقال بحق عدد كبير من قيادات وشخصيات سنيّة وحتى الشخصية الغير منضوية تحت جناح دولة القانون أو التحالف الوطني.

لاننسى إن مغريات السلطة في العراق والفورة النفطية في البلد لايحكمه القانون أو عُرف سياسي أجتماعي يغيَّر أكبر شخصية ديمقراطية على وجه الأرض، والسياسين اليوم في بغداد قابعون على قلعتهم العاجية وبيدهم مصباح علاء الدين والجن الأزرق تحت يدهم واقف تحت قدمهِ “كُن فيكون” وصلت بهم التحرش بقائمة التحالف الكوردستاني وأقليم كوردستان.

وكان المراد من هذا التحرش قياس قدرة الأقليم على الصبر والرد عليهم وأنا شخصياً ابرهن انه كان على خطين منها:

أول: تقليص نفوذ الأقليم سياسي و تحجيم سلطتهِ الدولية وتأثيراتهِ على الساحة ويتم في المستقبل رسم حدودها وفق نظام قبل 1991 من أجل  بسط نفوذ على أكبر موقع جغرافي في البلد وإبعاد الكورد عن موقعهِم الحالي الى أبعد حد ممكن.

ثانياً : تحجيم اقليم كوردستان أقتصادياً ورسم الخطة الأقتصادية بما يناسب بغداد وليس مايناسب اربيل من التنمية والتعاقد والأستثمار وأيضاً السيطرة على آبار النفطية والثروات الطبيعية التي تقع ضمن حدود كوردستان ودُر الأموال على بغداد و الحاكمين فيها.

عندما تطرق مسعود البارزاني رئيس الأقليم في خطابهِ في عيد نوروز منتصف آذار/مارس الماضي، الى الوضع المتأزم في بغداد ومطالبتهِ لمعالجة الأزمة أتت من نقطتين وهي مخاوف الكورد من الرجوع الى الى ماقبل 2003 ويذهب كل ماعمل من أجلهِ وأخرى هي المشاكل الأقتصادية بين بغداد وأربيل حول عقود النفط و القوات البيشمركة و حصة الأقليم من الموازنة العامة وحتى من نظام التوافقي المعمول بها.

بخروج القوات الأمريكية في اراضي العراقية، قد أعطت الضوء الأخضر لرئيس الوزراء بأن يحكم كما يراه صحيحاً، قد لايكون هذا الضوء مباشرةً لعدد من الأسباب منها عدم التزام واشنطن بوعودها أمام حلفاءها الغير رسميين. ويجوز أن يكون المسؤولين في البيت الأبيض متفقين على أن تكون العراق بلد يحكمه القوي ويبقى لهم ماء الوجه.

أتفق مع البارزاني بأهمية تدخل لحل الأزمة في بغداد قبل التفجر كما في لقائهِ الأخير قال ” لايجب السكوت عما يجري في العراق “، وأيضاً قال “هل هكذا يتعامل مع الشريك”. إنه يعلم عندما ينتهي المالكي من خصومهِ في الداخل ككل سياسيي سابقهُ سيأتون على أقليم كوردستان ويبدأ مرحلة أخرى من الحروب الداخلية بين الكورد والحكومة المركزية وتعمل ماكينة الأعلام العراقي على أنه حرب بين كورد والعرب وإنهم مجموعة من جواسيس و عملاء إسرائيل و وكثير من التهم الجاهزية والتي تصدر لحد يومنا هذا.

هذا الخطاب الذي أدلاه رئيس أقليم أتى متأخراً بعض الشيء، وكان من المفترض ان يتقدم خطوة الى تحديد مهلة زمنية لمشاكل بغداد وفك الأرتباط معهم أقتصادياً كما هو منفصل أجتماعياً و في القريب الأستقلال عن بغداد سياسياً و جغرافياً.

اليوم يمر العراق بدكتاتورية بحلة جديدة وهي الأنتخابات وصوت الأكثرية بدون مراعاة حقوق الأقلية السياسية أو العرقية في بلد لايفوق أحد على غيره، لكن السياسية طمست هذه الحقيقة وأظهرت بإن الشيعة هم الأكثرية وآخرون هم الأقلية و عكسها الصحيح.

الأطراف السياسية في الساحة العراقية تعلم جيداً، بأنها ستكون غداً في موقع الدفاع عن نفسها عندما تكون اليوم في موقع الصمت. وبأنها سيتم التعامل معهم وفق قوانين صيغت من أجلهم كما صيغ من أجل نائب رئيس الجمهورية .

كثرت الحديث عن بديل للمالكي من ضمنها التحالف الوطني، نعلم جيداً بإن أسم إبراهيم الجعفري رئيس التحالف غير وارد لعدم مقبوليتهِ لدى التحالف الكوردستاني، وهناك عادل عبدالمهدي مقبول على مستوى وطني و سياسي وبين أحمد جلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي (المتهم بإختلاس أموال بنك بترا) الذي يؤيده بعض القادة دولة القانون.

وحتى التحالف الكوردستاني اليوم يفكر بتغير في رئاسة الحكومة وتحجيم السلطة التنفيذية وتقسيمها بين سلطتين التشريعية ورئاسة الجمهورية لعدم تجاوزه مرة أخرى على سلطات الأخرى وإخراج المجلس القضاء الأعلى من تحت عباءتهِ وربطها بمجلس النواب. لكن باي ثمن يتم هذا التغيير. ومن هو الشخصية المقبولة لدى بغداد وأربيل .

حتى أمريكا نفسها اليوم لاتفكر جدياً بتغيير المالكي لأنشغالها بقضية أهم من العراق وغيرها وهي الأنتخابات الرئاسية نحو البيت الأبيض و نتائج الأستطلاعات التي تظهر بين حين وآخر، قد يؤجل النظر في تغيير رئاسة الحكومة الى مابعد الأنتخابات في تشرين الثاني / نوفمبر القادم.

كما يحاول أرضاء طرفي النزاع المكون من دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء و العراقية و التحالف الكوردستاني المتمثلة بـ اياد علاوي ومسعود البارزاني عن طريق ممارسة الضغط على جهة و تقديم تنازلات من كل الأطراف، حتى طهران لاتود تغيير المالكي بدون حليفٍ آخر يشبهه في التفكير ويختلف في التطبيق.

وهل يقبل المالكي بأن يزيح عن رئاسة الحكم وهو حالياً يحكم جيش يقدر بمليون منتسب ولاءه ومعاشاتهِ تحت تصرف زعيم حزب الدعوة؟ وهل التحالف الوطني لديها القدرة على عصيان أوامر إيران وسفارتها في بغداد الذي أصبح مستشار شؤون العراقية و الحشري في كل شيء؟.

لو تأزمت الوضع عند الحكومة العراقية قد تكون المبادر لأجراء أنتخابات تشريعية مبكرة و الخروج منها كفائز الأكبر بمقاعد البرلمان وتشكيل حكومة أكثرية التي يدعوا اليها قائمتهِ، وبعد أن ضمنت كثير من منابع الدولة العراقية من الأمن والجيش والمؤسسات المستقلة وحتى مفوضية الأنتخابات الذي كان مستقلة تدخل فيها و وضع لها عراقيل قانونية و مادية .

من هذا المنطلق يتجه العراق نحو كارثة الدكتاتورية بحلتها الجديدة، وهذا التاريخ يعيد نفسه واليكم مثال على ذلك:

حكم عبدالكريم قاسم أول زعيم للجمهورية العراقية خمس سنوات (1958 -1963) بعدما سحق العائلة المالكة في بغداد وكبار مسؤوليها، سُحِقَ ايضاً بيد عبدالسلام عارف ( 1963-1968) وبعد أنتهاء حكم أخوي عارف بدأ حكم البعث منذ 1968 – 2003 ، تعلم البعث من سقطتها الأولى 1963 كيف يبسط حكمهِ وماهي وجه الخلاف والأختلاف في سلطتهِ استطاع ان يعود الى سدة الحكم بعد خمس سنوات ويحكم أربعة عقود.

المالكي ايضاً درس كل جوانب هذه الأنظمة وكيفية التحكم بها وماهي أوجه الأختلاف والتشابه بينهم والعمل على ملء الفراغ بينها وبسط نفوذهِ تدريجياً لكي يقوم ما يعلمهُ وهي الحكم وفق مبدا ( أنا القائد). ويعلم جيداً لو انتهى حكمهِ كرئيس أنتهي حياتهِ كسياسي كما أنتهى جعفري وعلاوي قبلهُ.

فقط أنتهى وقت المرح والديمقراطية الذي أثبت انه فاشل للعراق و لايفيدها بشيء، بل يدٌ من حديد كما حكمهم صدام و عيشهم كخرافان يساق للذبح.