مسيرة المثليين السنوية (مسيرة الإفتخار) بإسطنبول يونيو 2011.

من النادر في بلادنا أن نجد حديث حتى في أوساط التيار العلماني يسار كان أو ليبرالي أن نجد كلمات عن حقوق المثليين التي هي من صميم المواطنة فكلمة مثلي تلقى الينا بإسم (ِشاذ)  الكلمة تبدأ معها النهاية فالشاذ مزدرى مرفوض و الشعب يصيح هولاً و رفضاً و من وسط هذا يظهر السياسي الانتهازي الذي ينشط ضد المثليين لأصوات انتخابية بحكم كونه راعي الفضيلة و الدين..

لكن السؤال الهام هو هل كل البلاد العربية/الاسلامية لديها نفس المشكلات؟ .. الاجابة نعم فمن جاكارتا للرباط لن تجد تغيير إلا نسبي بين قوسين لكن هناك إستثناء لم يصل بعد للحد المطلوب على الرغم من علمانيته هو تركيا التي لا تزال كما هي في كل المجالات تدور حول نفسها مع تقدم بطئ للأمام لا تستطيع أن تعتبره تقدماً  لا تراجعاً بل حالة وسط من الاستقرار مع تقدم نسبي ، كذلك المثلية في تركيا منذ العهد العثماني الى اليوم تتقدم و تستقر دائرة حول نفسها ثم تعد للتقدم ببطء لكنها لا تتراجع أبداً و لعل هذا النمط هو الذي جعل تركيا نسبيا الاكثر تقدماً بين البلاد الاسلامية بحكم الالتصاق الاوروبي الذي يجعل خطوتها الضئيلة دوماً الى الحداثة.

 

المثلية في الدولة العثمانية:

تاريخياً كانت المثلية حاضرة بين كل الامم و منها الدولة العثمانية التي كانت نموذج للمنهجية المتسامحة في انتشار العلاقات المثلية و لعل الكتابات الشعرية بالقرن ال 19/16 توضح إنتظام الغزل في الذكور و الغلمان الصغار و رسومات رضا عباسي الشهيرة ، كانت المنهجية في العقاب توازي المنهجية في الفعل فمثلا بالقرن الثامن عشر (1770) كانت المثلية مع الغلمان بالاجبار عقبتها الاعدام قانوناً ، لكن تحضرنا عدة نقاط:

 

Köçek

Köçek (-1 أو الشباب الصغار و هم ثقافة و ممارسة انتشرت من القرن السابع عشر للتاسع عشر كصبيان صغار من سن السابعة يتم تدريبهم على الرقص و ارتداء ملابس الاناث يُختارون من بين غير المسلمين عبر ما يعرف بضريبة الدم أو الافراد ( ضريبة الدم عادة عثمانية يتم فيها اخذ أطفال صغار من أسرهم من القبائل السلافية كضريبة عن الافراد  يتم تحويلهم بالقوة الى الاسلام أو يتم استخدامهم بأغراض أخرى و كانت تتم وسط القبائل السلافية لأن اهل الذمة المسيحيون من الذين أخذ العهد منهم بالقرن السابع وقت ظهور الاسلام لا تُمارس عليهم هذه العادة أما السلافيين كانوا وقتها بالقرن السابع غير مسلمين فلا يسرى عليهم مبدأ أهل الذمة !!!) و ال Köçek يعزف على الالات و يرقص للرجال بالحانات و القصور السلطانية و يضع أدات التجميل كالنساء تماماً و يرتدي ملابسهم و قد كُتب فيهم الشعر و لحنت لهم الموسيقى ، بالعام 1837 و مع انتشارهم و تقاتل الناس عليهم من أجل الظفر بهم بالحانات منع السلطان محمود الثاني الرقص بالحانات حتى لا يتحول الامر لفوضى خاصة مع تحول ال Köçek الى سلطة كبيرة دفعت بعض الجواري لقتله لحظوتهم بالقصور السلطانية على الجواري.

2-) في العام 1858 و في إطار الاصلاحات العثمانية (التنظيمات) الغى السلطان عبد المجيد الأول العقاب على الممارسة المثلية فمنذ هذا العام بات من حق المثليين الممارسة دون أن يعاقب عليها القانون الذي كان قد تمت علمنته و الغيت مواد الشريعة الاسلامية منه و احضرت القوانين الفرنسية و الالمانية بإستثناء قانون الاحوال الشخصية.

3-) مع عهد السلطان عبد العزيز ثم عبد الحميد الثاني (1908/1961) إندثرت ثقافة ال Köçek و إن لم تُمنع الممارسة المثلية أبداً الى يومنا هذا.

4-) الدولة العثمانية إجمالاً لم تتخذ موقف مناهض للمثلية الا في حدود معينة تتعلق بالقوة (الاغتصاب) و كانت هذه الممارسات تحديداً من دوافع و أسانيد محمد بن عبد الوهاب للخرج على الحكم العثماني و اعباره حكماً لا يتفق مع الشريعة بالقرن ال18 و خلفاؤه الدينيين و السياسيين و حلفاؤه من آل سعود بالقرن ال 19 الذين إعتبروا رضا العثمانيين عن المثلية و انتشارها في البلاد و القصور العثمانية الحاكمة جريمة كبرى.

 

المثلية في الجمهورية التركية:

كما أسلفنا فالممارسة المثلية مسموح بها منذ العام 1858 بالخلافة العثمانية و حديثاً بالجمهورية التركية يُسمح بإجراء جراحات لتغيير الهوية الجنسية ، تعد الجمهورية التركية مثالاً للتقدم في مجالات الحقوق الجنسية و الهوية مع وجود جمود نسبي تاريخياً منذ قيام الجمهورية لليوم ، فتركيا مثلاً لا تسمح للمثليين بالانضمام للخدمة العسكرية و لا تعترف بالزواج المثلي و تمارس منذ نشأتها تضييق على الممارسات المثلية مع تراخي قليلاً في بعض الفترات لكن الثابت أن العقد الاخير من القرن ال 20 قد شهد تطور كبير عبر كفاح لثلاث سنوات للمنظمة المحظورة من قبل الجمهورية التركية المدافعة عن الحقوق المثلية حتى تأسيس منظمة المثليين التركية 1993 علناً و نيلها الصفة الرسمية 1996 و يمكننا تلخيص الوضع المثلي بالجمهورية حتى بدايات القرن ال 21 في النقاط التالية:

المغني التركي zeki muren الذي غنى عام 1950 بملابس نساء و مكياج نسائي و توفي عام 1996 و مثلت جنازته حشد كبير أكبر من حشود جنازات السياسيين

 

1-) المثلية الجنسية في تركيا تواجه تعنت مستمر من السلطات امتد طال عهد الجمهورية دون تقيد بحكمة معينة و مثال منع السلطات التركية في 2000 (حكومة يسار وسط بولنت أجافيد العلمانية) ل800 سائح مثلي من اوروبا و الولايات المتحدة من زيارة بعض الاماكن العامة لا يختلف عن ضرب الشرطة في 2008 (حكومة اردوغان المحافظة) لمثليين في الشارع باعتبارهم منحلين أو مقتل الطالب أحمد يلدز في اطلاق نار على اساس الكراهية الجنسية.

 

2-) القضاء التركي مشتت بين العديد من الرؤى  قد مثلت حالة حكم المحكمة العليا عام 1996 بالغاء قوانين منع ضم الابن للأم المثلية باعتبارها غير قويمة مثلت موقف صريح لتباين الاراء في المؤسسة القضائية التركية.

 

3-) مثلت عملية إقرار القانون المدني التركي في 1988 حق المتحولين في تغيير بطاقاتهم و هوياتهم الثبوتية نجاح كبير للمتحولين و المثليين في إطار نيل الحقوق المتساوية  كان القانون قد أُقر مع تعنت الحكومة التركية (حكومة توجرت أوزال العلمانية عبر حزب الوطن الأم) و رضوخها في النهاية.

صورة حديثة للحقوق المثلية بتركيا في عهد إردوغان:

المغنية bulent ersoy من أشهر المتحولات و تعد من أكثر المغنيات شعبية بتركيا.

 

1-) إستمرت أحوال المثليين في تركيا كما هي مع تحسن متوسط في عهد حكومات رجب طيب إردغان و يُعزى التحسن الى موقف الحكومة الراغب في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي مما يجعل العديد من الاصلاحات القانونية تُقر.

 

2-) في 14 أكتوبر 2009 صرحت اللجنة الاوروبية لتوسيع الاتحاد بأن *الاطار القانوني التركي لا يتماشى مع مطالب الانضمام للإتحاد الاوروبي و قد رصدت حالات عديدة للعنف و اطلاق النيران على اساس الميول الجنسية و يمثل قتل مزدجي الهوية و المتحولين أشياء مثيرة للقلق و قد طبقت بعض المحاكم التركية عذر الاستفزاز على الجناة بشكل يسمح لهم بالهرب من المسئولية*

 

3-) يصر الجيش التركي على اعتبار المثلية مرض نفسي و على الرغم من موقف الحكومة الراغب في تعديل الاوضاع لصالح المثليين يظل الجيش التركي على موقفه و يمنع تجنيدهم و قد أكدت اللجنة الاوروبية في أكتوبر 2009 على رفض موقف الجيش و اعتبرته مناهض للإصلاحات.

 

مصمم الازياء التركي المؤيد لحزب العدالة و التنمية cemil ipekci معتبراً نفسه مثلي محافظ.

4-) في 2010 أقرت وزارة العدل لائحة للعقاب القانوني للتمييز و ضم التمييز على أسس الهوية الجنسية لكن القانون تم إبطاله وسط رفض الطرفين بإعتباره فتات لا يقدم الحقوق الكاملة المنصوص عليها بالاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان و الطرف الاخر الحكومي و البرلماني الذي مال لمسايرة الضغوط الشعبية مما أفرز قلق لدى الاتحاد الاوروبي.

 

5-) في 21 سبتمبر 2011 أعلنت فاطمة شاهين وزيرة شئون الاسرة التركية في لقاء مع ممثلي منظمة حقوق المثليين بتركيا أن الحكومة التركية تتضامن مع حقوق المثليين و ترفض التمييز بينهم و تعتبر أن التمييز أمر غير متفق مع سياسات الدولة ووعدتهم بإقرار حقوق المثليين في الدستور الجديد عام 2012.

 

6-) توجه القضاء التركي يميل للتحسن في حقوق المثليين في عهد العدالة و التنمية و مثال حكم القضاء بتغريم الكاتب سردار ارسيفين و جريدته يني أكيت مالياً بسبب وصفه المثليين بالمنحرفين يعد توجه أفضل للقضاء  التزام بحقوق الانسان و من ضمنها حقوق المثليين.

 

7-) مثل توقيع تركيا في فبراير 2006 على الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان و التي تتضمن حقوق المثليين الكاملة خطوة جديرة بالاهتمام خاصةً مع اشارات الحكومة لتضمين بندها بالدستور الجديد 2012 مع الاحتفاظ بملاحظات مستمرة من الاتحاد الاوروبي حول تعنت الجيش و تباطؤ المؤسسات الرسمية التركية في تفعيل الاتفاقية المذكورة.

..

الخلاصة:

على الرغم من الجذور العثمانية التي تتسامح مع المثلية و مظاهرها إلا أن سلوك الجمهورية التركية لم ينقل التسامح الى شكل مدني عصري و ظل يتعنت في الحقوق المثلية و قد مثلت فترة الحرب الباردة فرصة لتجاهل القضايا المثلية لصالح قضايا سياسية أخرى إلا أن النصف الثاني من الثمانينيات قد شهد تحسن تدريجي في الحقوق  تطور الى اليوم بشكل ثابت و متزن لكنه يتميز بالبطء و عدم السرعة الكافية و تعد رغبة تركيا في الانضمام للإتحاد الاوروبي سبباً أساسياً لتشجيع حكمة اردغان حقوق المثليين و الى اليم يظل الامر مرهوناً بدستور 2012 الذي تعلق عليه منظمة الحقوق المثلية التركية الامال الكبيرة وسط وعود حكومية بتضمين حقوق المثليين مع تضمين شامل لاتفاقية حقوق الانسان الاوربية الموقعة عليها تركيا في فبراير 2006.

 

للتواصل مع الكاتب : https://www.facebook.com/mahmoud.arafat.7503