• الأخلاق أم الدين , السؤال الجدلى الذى لطالما كان سؤال محورى فى العديد من المناقشات بين اللادينيين و المتدينيين , فالمتدين يحاول وأد الثقافة اللادينية إعتمادا على مبدأ ان الدين أساس الأخلاق , و يدافع اللادينى إعتمادا على أن الإنسان أقدم من الأديان , و لكن هل هذا صحيح هل فعلا الدين هو منبع المنظومه الأخلاقيه للفرد و المجتمع , و إذا كان ذلك صحيحا فكيف يكون اللادينى أخلاقيا , و كيف يستطيع اللادينى استنباط ثقافة أخلاقيه تجعل هذا خطأ و هذا صواب ؟ , و كان هذا هو السؤال الذى جعلنى أفكر فى مثل هذه المسأله , و لأنى لست بمفكر فلسفى ولا عالم من علماء علم الإجتماع و المنطق فلم أعرف كيفية الرد بل جاهدت فى محاولة لإثبات وجهه نظرى القائلة بأن الأديان تتغير فيها المنظومات الأخلاقيه تبعا للأهواء الآلهية و لكن هذا ليس بجواب يكفى لإقناع الشخص البسيط بأن اللادينى قد يمتلك الثقافه الأخلاقيه , و لهذا قمت بهذا البحث الذى قد يساعد البعض منا فى محاولة لفهم ماهية المنظومات الأخلاقيه و علاقتها بالأديان و من كان أولا الأخلاق أم الدين ؟؟
  • بالإستماع إلى رجال الدين المختلفين ستجد أن كل ما يقال يدور حول أن الإنسان يحتاج إلى التعاليم الدينية التى تنظم أخلاقياته و إلا سيكون بدون أخلاق , و هذا بالطبع معتمد على أن الإله أتى أولا ثم أتت تشريعاته للبشريه و عن طريق هذه التشريعات إستطاعت البشرية الإرتقاء و التقدم , و لكن لا يوجد أى دليل صريح و واضح يؤكد هذه الخرافات , فالخرافة الدينية المتعلقه بالإله نفسها تم إيجادها و إستنساخها مرارا و تكرارا من قبل البشر , فمختلف الديانات تتحدث عن سلوكيات معينة و مختلفة يتسم بها الأشخاص الذين وضعو أسس هذه الديانات و تم إختيارهم للتواصل مع القوى الغير طبيعيه كمثال للإحتذاء به , و بالرجوع لمعنى المنظومات الأخلاقيه التى تتبناها الأديان نجد أنها مجموعة من القيم و المبادئ تحرك الأشخاص و الشعوب كمبادئ العدل و الحريه و المساواة و الحق فى الحياة الكريمة , بحيث تجتمع تلك المبادئ و تكون الطريق الأساسى للمجتمعات بحيث تحسب ضمن منظومة المجتمعات الثقافية التى تستمد منها القوانين و الأنظمة الخاصة بتلك المجتمعات , أى أن الأخلاق فى حد ذاتها تعتبر هدف و ليس وسيلة تسعى إليها المجتمعات لتحقيق المبادئ الدينية , و هذا يمكن شرحه من خلال قواعد المنظومات الأخلاقية , فعن طريقها يتم وضع معايير معينة للسلوك الإنسانى يضعها الإنسان لنفسه أو يعتبرها إلتزامات و واجبات مفروضة عليه من قبل الإله يجب أن تتم بداخلها جميع أعماله للوصول للهدف العام للمجتمع و هو تحقيق كل مبادئ المنظومة الأخلاقية , إذن الأخلاق ما هى إلا مجموعة معينه من المعتقدات و المثاليات الموجهة و التى تتخلل الفرد أو مجموعة من الناس فى مجتمع معين .
  • و عند إلقاء نظرة سريعه على الدين نجد أن الدين لا يوجد له تعريف ثابت , فهناك العديد من التعاريف المختلفه الناتجه من محاولة تفسير معتنقى الديانات المختلفه لكلمة الدين , و كل هذه التعاريف تتصارع فى محاولة للوصول إلى تعريف أدق و فى ذات الوقت يضم أكثر قدر من المعايير الأخلاقية الفاضلة , و لكن بدمج جميع هذه التعريفات المختلفه و محاولة إستخلاص تعريف شامل لها نجد أن الدين فى الأساس يكون مجموعة من الأفكار و المعتقدات المستنده إلى قواعد أخلاقية متغيرة بتغير الأديان و التى توضّح بحسب من يعتنقوها إرتباط الوعى و الإدراك بالإله المقدس , و هو إحساس داخلى يصل إلى المتدين يجعله يعتقد أن العالم بل و الوجود بأسره تم إيجاده بشكل غير طبيعى عن طريق ذات غير بشرية بل تتمتع بقوى و إمكانيات تتعدى إمكانيات البشر بمراحل و تريد هذه القوى الغير بشرية تحقيق السمو الأخلاقى عن طريق وضع العديد من المقومات الخلقية التى يجب على أتباع هذه الديانات تنفيذها, و هنا نجد أن المنظومات الأخلاقية يستند إليها الدين بل و يحاول تقويم البعض من السلوكيات الفاعله فى هذه المنظومات نتيجة لإختلاف الثقافات و الحضارات البشرية .
  • و إذا ما إعتبرنا بشكل ما أن الأديان صحيحة فيكون عمر أقدم الأديان لا يتعدى 15000 عام , و بنظرة عامة على ما تم إكتشافه من أحافير و مستحاثات تم عن طريقها إثبات وجود الإنسان قبل هذا بكثير (منذ ما يقرب من 500 الف عام على الأقل) نجد أن الإنسان بطبعه كائن إجتماعى , يستخدم الهياكل الإجتماعية و يعتمد عليها كليا و الدليل على هذا تكوينة للأسر و العشائر و المجتمعات مما يتيح الإندماج فى هذه الهياكل الإجتماعية و التأثر بمنظومتها الأخلاقيه و التأثير فيها , و بالرجوع لأصل الإنسان نجد أن أجدادنا إستخدمو مثل هذه الوسائل قديما , و هناك بعض الموروثات من هذه المنظومات القديمة يتم تداولها حاليا كنوع من النشاط الإجتماعى للأفراد بداخل أى نوع من أنواع الهياكل الإجتماعية او كما تعرف بالعادات و التقاليد , فمثل هذه العادات و التقاليد لم تظهر بين يوم و ليلة , بل أخذت العديد من السنوات لكى يتم تثبت و تستقر.
  • إذن من هذا نستنتج أن الأخلاق لا ترتبط بالمقدس بل يأتى المقدس لتصحيح مسار الأخلاق و لذلك يمكن مناقشتها وتغييرها بحكم الخبرة في الحياة , فتكون المعايير الأخلاقية نتيجة العقل و التجربة و يحسب حساب العاقبة المباشرة للفعل إو الحافز المؤدي لذلك الفعل من الضمير أو المجتمع ، فالمنظومات الأخلاقية خاضعة لقانون التغير بحكم الزمان والمكان , و هنا نجد أن كل ماهو أخلاقي يرتبط إرتباط وثيق بالثقافات المتعددة للمجتمعات ويحسب حسابها فيُكوّن منظومة من القيم داخل تلك الثقافات ويعيد إنتاجها بعد التعديل مع كل جيل جديد , فقد كانت أخلاق اليونان مرتبطة بأساطيرهم وحكايات هوميروس ، لكن هذا لم يمنع فلاسفتهم من إنتاج قيم أخلاقية قائمة على أساس عقلي بحت , فبينما عبّر افلاطون في فلسفته المثالية عن الفضيلة والكمال ، عبر عنها أرسطو بفعل الخير و البحث عن السعادة من خلال الطريق الوسطي ، فالشجاعة هي طريق وسط بين الجبن و التهور , إذن فموضوع الأخلاق عند فلاسفة اليونان يدور حول حب الخير و العدل و الجمال , أما اليهودية والمسيحية كديانات توحيدية ترتبط بالوحي فقد عبرت عن الأخلاق من خلال وصايا الإله فى تنفيذ ما جاء فى تشريعات العهدين الجديد والقديم , أما في الإسلام ، فقد قال محمد ابن عبد الله “إنما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق” .
  • إذا ، ما أريد أن اصل أليه هو أن التصور الأخلاقي أشمل و أوسع من التصور الديني بل يمكننا القول أن التصور الأخلاقى يمكن إعتباره قاعدة أساسية يرتكز عليها الدين ، أي قاعدة للتشريعات العملية لسلوك الإنسان وإنتاج حلال و حرام معاصر تستند إليهم القيم الأساسية لهذا الدين , ليس فقط هذا بل و إنتاج الكثير من القيم التي يرجع الإنسان بعقله وتجربته في تحديد صحتها من بطلانها لا أن تملى عليه من المؤسسة الدينية مثل الحرية وحقوق الإنسان والحفاظ على البيئة وغيرها الكثير. .