استطاع الربيع العربي أن يعيد تحفيز الواقع السياسي والثقافي الراكد منذ عدة عقود، ودفعه باتجاه إعادة الالتزام بالبحث عن مشروع التغيير كسؤال عن النهضة والتحديث وحيازة مكامن القوة والتقدم والازدهار. لكن ما يبدو واضحاً أن الشارع مازال في مرحلة الرؤية السلبية والرفضية؛ أي ما لا يريده كالاستبداد والديكتاتورية والتعسف باستخدام القوة…. أما المشروع البديل الإيجابي الذي يتمحور حول شكل الدولة والمجتمع المقبل فإنه مازال ضبابياً ومحكوماً ببعض المبادئ والشعارات العامة؛ كفكرة الدولة المدنية وفكرة الديمقراطية…. وهذا ما يدفع بعض الفئات الثقافية ذات الاتجاهات التنويرية والعلمانية للتخوف من احتمال حدوث شيء من الانحراف في المرحلة الانتقالية، وقد يكون هذا الاضطراب والانحراف عميقاً لدرجة وقوعنا في معضلة التغيير وفق نماذج كالطالبانية الأفغانية أو الإسلامية الإيرانية! فهل إن الديمقراطية المفترضة هي مجرد صندوق اقتراع بما يعنيه ذلك من احتمالية تشكّل نوع من ديكتاتورية الأغلبية الشعبوية، وإلى أي حد هناك حاجة لاستنساخ الخطوط العريضة والمبادئ الأساسية للديمقراطية الليبرالية والتي بُشّر قبل حوالي عقدين من الزمن من قبل بعض كبار المنظّرين الغربيين بكونها نهاية التاريخ، أي كنموذج نهائي للحكم الرشيد –على الأقل في الأمد القريب والمتوسط. وهذا يحيلنا على سؤال ملح؛ عن مدى عالمية القيم الحضارية الحديثة، وبتحديد ربما أكثر دقة؛ قيم التنوير التي تشكّلت ضمن العالم الغربي الحديث. قبل الإجابة على هذا السؤال لنعود قليلاً للتاريخ النهضوي العربي ومسارات تطوره.
ثمة ثلاثة تيارات أساسية حكمت تاريخ الجدال الثقافي العربي حول سؤال التغيير والتحديث:

1- ما سأطلق عليه التيار النسبوي، والذي اعترف بتفوق الحضارية الغربية بشقها المادي والطبيعي وبفكرة التصنيع وبالعقلانية العلمية، واتجه في ذلك –وهو محق طبعاً- لنفي نسبة العلم الحديث إلى الغرب إلا على سبيل السبق التاريخي، إذ أصبح العلم الطبيعي بعد ذلك شيئاً محايداً ومستقلاً وصحيحاً بذاته بغض النظر عن الجهة المنتجة له، أي كمشترك عام للحضارة الإنسانية. لكن عندما الحديث عن القضايا الأخرى كالقيم السياسية والاجتماعية والثقافية والتي تشّكل أغلبها -فرضياً- على المعارف العلمية فإنه أكد النسبوية المعرفية والقيمية، بحيث يجب الاحتفاظ بشكل ما للتراث وللقيم العربية التاريخية في بناء الدولة الحديثة، سواء القومية منها أو الدينية أو غيرها. ومثال على ذلك ما ذهب إليه البنا وعبده والأفغاني، فهناك المجتمع الصناعي الحديث، لكنه محكوم بشكل ما بنموذج دولة الخلافة. وسارت أيضاً في هذا الاتجاه القوى القومية اليسارية والتي كان لها نصيب مهم في صياغة الدولة العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار. ونستطيع التعميم هنا بأن كل هذه التجارب لم تستطيع تحقيق النجاح المطلوب فيما يتعلق بالتنمية البشرية والاقتصادية والحضارية الشاملة في المنطقة.

2- التيار الثاني هو التيار التغريبي، والذي رفض فك الارتباط بين العقلانية العلمية الحديثة بشقها الطبيعي عن شقها الاجتماعي والإنساني، وجعل التحديث مرتبطاً باستنساخ شبه كامل للتجربة الغربية. ومن أمثال هؤلاء قاسم أمين وطه حسين الذين عملوا بقاعدة “أن نتطوّر يعني أن نتأورب”! وأيضاً التيار الآخر اليساري الذي سعى نحو استنساخ التجربة الماركسية-اللينيية بحذافيرها في العالم العربي. ولم يكتب لهذا التيار إلا فرص محدودة في العالمين العربي والإسلامي؛ منها الكمالية التركية وتجربة بورقيبه في تونس، وإلى حدٍ ما تجربة خليفته بن علي، وهذا مع التحفظ على حجم الممارسة الديمقراطية التي أتيحت في عهدي هؤلاء. ونستطيع القول هنا أن تلك التجارب كانت أفضل بمراحل من تجارب التيار الأول، مع الأخذ بعين الاعتبار مدى التوافر النسبي للثروات والموارد الطبيعية.

3- التيار الثالث هو ما يمكن اعتباره التيار الأصولي العدمي؛ وهو التيار الذي امتلك رؤى واضحة وجازمة عن رفض القيم الإنسانية والاجتماعية الغربية واعتبرها كفرٌ بواح، وافترض مركزية مقابلة تتمثل في الفكر الديني الأصولي وفي تجربة ماضوية ما، لكنه في المقابل امتلك رؤى ضبابية ومشوشة عن الشق العلمي والصناعي الحديث؛ ففي نظره أن المستقبل يحمل دائماً ما هو أسوء، واللحظات المثالية كانت في الماضي! وثمة نظرة اتهامية وإزدرائية عامة تحكم نظرته إلى الحضارة العلمية الحديثة، لكن لأسباب الحتمية الاقتصادية والحضارية فإنه لم يستطع بلورة موقف واضح من الأمر. فمن جهة المسواك مثلاً أفضل بما لا يقارن من فرشاة الأسنان فقط لكون الأول من نتاج السلف الصالح بينما الثانية شيئاً مستجداً ومبتدعاً، لكن في ممارسة العنف ثمة حتمية لتفضيل البندقية الآلية على السيف والرمح –رغم أن أسلوب الإعدام المفضل لدى هذا التيار هو النحر باستخدام السيف أو السكين بدلاً من الطرق الحديثة! وهذا التيار لم يستطع أن يلقى فرصة للتجربة الواقعية إلا بشكل محدود كما في أفغانستان أو في بعض المناطق والأزمنة المحدودة في شتى المناطق الأخرى.

بلا شك أن العلم الحديث لم يعد شأنا غربياً، فلا نستطيع القول بأن اليابانيين أو الكوريين مثلاً يتبعون اليوم الحضارة الغربية! فلا توجد فيزياء أمريكية ولا بيولوجيا بريطانية… فالعلم الحديث بدأ  منذ عهد كوبرنيكوس وغاليلو بالتشكّل كحقيقة موضوعية صحيحة بذاتها وبمعزل عن أي سلطة سياسية أو دينية؛ أي ما يمكن وصفه بالأيديولوجيا – كمعرفة تتشكل وفق خضوعها لمصالح محددة مسبقاً سواء ذاتية أو جمعية. والعلم الطبيعي كان الأسرع في الاتجاه بهذا المنحى، أم العلوم الاجتماعية فقد عانت من تأخر طويل. أولى العلوم الاجتماعية التي بدأت بالاستقلال عن الأيديولوجيا كانت الاقتصاد، وكان سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية التجربة الشيوعية بدفعة كبيرة في هذا الاتجاه بحيث يبدو اليوم الاقتصاد كعلم موضوعي أكثر من أي وقت مضى –دون نفي بقايا الأثر الأيديولوجي. أما السوسيولوجيا والانثروبولوجيا والسياسة والتأريخ فقد بقيت وحتى اليوم أكثر عمومية وأكثر ركاكة فيما يتعلق بالرصانة العلمية. لكن منذ عهد الستينات تقريباً بدأ يظهر منظور جديد يتناول الإنسان من خلال فرضيات علمية بيولوجية أكثر تحديداً وأكثر قابلية للقياس والوثوقية؛ من هذا البيولوجيا الاجتماعية (أو السوسيوبيولوجي) والبيولوجيا العصبية وعلم النفس التطوري، وسبق هذا الفيزيولوجيا العصبية والعلوم السلوكية. وقد استطاعت هذه العلوم أن تقدم الإنسان كشيء واحد؛ من ناحية قابلية خضوعه لذات المصادرات والفرضيات والنظريات، وليس بالضرورة من ناحية المخرجات الجزئية النهائية. وهذا التطور استطاع أن يجعلنا نأمل بأن يكون ثمة علم سلوك وأخلاق مستقبلي قائم على العلمية وعلى موضوعية وعالمية قيمه النهائية.

نعود للسؤال المحوري؛ هل إن القيم الاجتماعية والإنسانية التي تشكلت في الغرب كالديمقراطية الليبرالية والحوكمة الصالحة والتعددية والتداولية السياسية وثقافة حقوق الإنسان هي شيء غربي أو بعبارة أخرى خصوصية غربية ؟ هل هي واحدة من أدوات الضبط والهيمنة الغربية على العالم كما يزعم الكثير من أنصار النسبوية الثقافية ؟ أنا أظن اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن الحيادية المفترضة للعلوم الطبيعية وبكونها ذات سمة المشترك الإنساني العام يجب أن تنسحب كذلك على العلوم الاجتماعية والقيم الإنسانية، وبأننا بالفعل بحاجة لاستنساخ الكثير دون الاستسلام لمغامرات النسبوية والتي قد لا تفي بأي نتيجة تُحسّن الواقع المتخلّف الذي نعيشه. وثمة ما نحتاج توضيحه هنا:
- وحدة الحضارة العلمية الحديثة لا تنفي الكثير من التمايزات الثقافية والقومية، أو بأي معنى للتمايز والخصوصية انطلاقاً من الفرد ذاته. فمثلاً ثمة ألوان عديدة من الموسيقى والفنون والفلكلور وبعض التقاليد الشعبية العامة وهكذا.. لكن ما يجب أن يتم الاتفاق عليه هو ما يخضع للبحث العلمي فقط.

- إن الاتفاق حول العلم هو اتفاق على منطق العلم، وعلى مصادراته وفرضياته ونظرياته، وليس على كافة المخرجات النهائية الجزئية الخاصة بهذا العلم. وكتوضيح لكلامي فمثلاً النظرية الاقتصادية تكون واحدة لكن عند اختلاف مدخلاتها بين المجتمعات بحكم الاختلاف الطبيعي بين متغيراتها المعنية فإن تكون ذات نتائج مختلفة. وهذا لا نستطيع أن ننفيه وإنما لا ننفي وحدة النظرية كمشترك علمي موضوعي. وحتى إن كان ثمة خلل في النظرية ورغبة في تطويرها، فذلك يحصل بالاتفاق على المنطق العلمي وعلى سبيل تطوير حقيقة علمية موضوعية، ولا يُفعل هذا تحت مسمى الخصوصية القومية أو الدينية أو ما شابه.

- التأكيد على نفي نسبة العلم لمنطقة جغرافية محددة أو حضارة معينة فهو حقيقة موضوعية وتطويره يتم في اتجاهات متعددة ومتداخلة بين مختلف الشعوب والحضارات والمناطق الجغرافية.

- إن وحدة القيم الإنسانية ووحدة الحقيقة الموضوعية سواء فيما يتعلق بالطبيعة أو الإنسان لن تنفي بشكل مطلق أي شكل من أشكال الصراع المصلحي الاقتصادي والسياسي وغيره بين شتى الشعوب والجماعات والكيانات السياسية. فليس ثمة علاقة واضحة ما بين الأمرين؛ البشر لطالما اقتتلوا بذات المدافع، وأيضاً وفق نفس النظريات الاقتصادية والسياسية وكذلك المنطق الأخلاقي.

تبقى إشكاليات عديدة تتعلق بتفاصيل تكاد أن تكون لامتناهية لتطبيقات هكذا منظور، ومنها كيفية الفصل المطلق ما بين العلم والأيديولوجيا، وبين السلوك كحرية وكوعي الفرد بوجوده لذاته وبين ما هو بمثابة حقيقة سلوكية، وفي كيفية وضع الأسس الفلسفية المعولمة للعلاقة ما بين العلم والقيم. لكن نستطيع أن نبدأ من أفكار بسيطة؛ عندما نناقش أفضل معالجة لمسألة السرقة، وهل هي مثلاً عقوبة قطع اليد أم اللجوء إلى السجن أو الإصلاحية، فإن القول بأن قطع اليد هي الأمر السليم لكونها شريعة الإسلام أو بكونها شيئاً خاصاً بحقيقة ما تراثية أو تاريخية فإنه منطق مغلوط، ولا كذلك الإسراع بأخذ كل ما هو غربي على اعتباره صحيحاً بذاته تبعاً لارتكاز معرفي خاطئ. وإنما الأمر يجب أن يخضع للبحث العلمي؛ كالبحث التجريبي عن أفضل معالجة تضمنت التخفيض من معدلات الجريمة المعنية للحدود الأدنى مما عظّم من المنفعة الكلية للمجتمع. بهذا المثال ومنطق معالجته أحاول أن أبين ما أعتقده طريق سليم نحو وحدة الحقيقة الموضوعية ومنطق استكشافها وعالمية القيم الأخلاقية الإنسانية.